أهم الأخبارمقالات

أسئلة وجودية وتفسيرات تتجاوز السرديات السطحية

سميرة رجب

بعيداً عن عقلية “قانون وشريعة الغاب”… هل ستبقى الحروب محركاً للتاريخ البشري؟

هل حقاً حروب المصالح المادية البحتة من ثوابت البشرية، ومحرك للعلاقات الدولية، ولا مفر منها؟؟؟

هل يا ترى البشرية ستتجاوز يوماً ما منطق الحروب؟

ألا يستحق السلام الكفاح من أجله؟ أم أصبح السلام سلعة في سوق الأقوياء؟

“صراع الحضارات” أم صراع المصالح
للتوازن بين الواقعية والتاريخ من جهة، والأمل والإمكانيات البشرية من جهة أخرى، لا نغفل إن الصراعات والحروب كانت موجودة دائمًا، منذ الخليقة؛ ولكن هل هذا يعني أن الحروب حتمية في حياة البشرية؟

من جهة أخرى، يثبت التاريخ أن الغالبية العظمى من الحروب نشأت بتخطيط مسبق، ولم تكن عفوية، وكانت ذات دوافع اقتصادية أكثر من أيديولوجية، تخدم مصالح النخب على حساب عامة الشعب.

لذلك لم تكن نظرية “صراع الحضارات” (1996) لصاحبها صموئيل هنتنغتون التي ركزت على “مسائل الهوية والبعد الثقافي والديني في تكوين الشخصيات الوطنية كمحددات في العلاقات الدولية وفي صراعات المتناقضات والعنف الذي سيشهده العالم القادم” مجرد تنبؤ، فالحروب المستقبلية التي ذكر الكاتب بأنها “لن تكون هادئة وسلمية، بل ستكون عنيفة وشرسة وستهدد استقرار العالم والسلم العالمي”، والتي ثبت صحتها مع أحداث الألفية الثالثة، لم تكن مجرد تنبؤ بقدر ما هو أمر كان يتم الإعداد له، وبدأ العمل به في 11 سبتمبر 2001.

هذا يدفعنا نحو السؤال الأهم: هل يمكن للبشرية أن تتجاوز هذا النمط من التفكير؟ أم أن طبيعة الإنسان تميل دائماً للصراع عندما يتعلق الأمر بالثروة والنفوذ؟ فتتحول الدول الصغيرة إلى ساحة معركة للقوى الكبرى، وتضعف السيادة الوطنية لصالح المصالح الكبرى، وتتحول اقتصادات العالم إلى ميدان حرب بدل التعاون.

مؤشرات التغيير
هل فعلاً هناك مؤشرات حول إمكانية التغيير؟ على سبيل المثال في تطوير ضوابط الصراعات عبر المؤسسات الدولية والقانون الدولي، وبالاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول لزيادة كلفة الحرب، أو عبر تطور الوعي الإنساني بمخاطر الحرب التدميرية، أو في نماذج من نجاح بعض الدول في حل النزاعات بالوسائل السلمية (سنغافورة مثالاً)!!؟

إننا أمام تساؤلات وجودية تستحق التأمل، وبحاجة لتفسيرات غير تقليدية تتجاوز السرديات السطحية وتتعمق في البحث عن أسباب ارتفاع منسوب الوحشية والكراهية في النفس البشرية، وتغوّل لغة الحروب والصراعات في العلاقات بين الأمم والجماعات، وتفوّقها على لغة الحوار وعلى مبدأ تبادل المصالح عوضاً عن الاستفراد بها.

تساؤلات تبحث عن إجاباتِ أملٍ أو بديل، مُطَمئِنَة، بأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفًا، دون أن نغفل حقائق التاريخ والميول البشرية… إجابات لا تغفل حقيقة إن الحروب كانت موجودة دائمًا، ولكن هذا لا يعني أنها حتمية؛ وإن المصالح المادية باتت المحرك القوي للعلاقات الدولية، ولكن أين الأخلاق والقيم والتعاون الاقتصادي والمخاوف المشتركة؟.

تساؤلات نطرحها في واقع معقد، بحثاً عن إجابات بعيدة عن التبسيط أو المثالية، ولا تعزز الشعور باليأس.

هناك حقائق تؤكد إن الحروب اليوم تدور حول الموارد والثروة والنفوذ، وإن المنافسات الجيوسياسية والاقتصادية المستمرة بين القوى العظمى تدور في نفس الدائرة؛ وهذا ما يطرح التساؤل حول العديد من الأمثلة وأنواع الصراعات السابقة، مثال الحروب الصليبية التي استمرت لقرنين بهدف السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب؛ وحرب الأفيون التي حطمت الشعب الصيني على مدار قرن كامل كمثال على كيفية تحول التجارة إلى عدوان، عندما تكون المصالح الاقتصادية على المحك… ومثال حروب الاستعمار الأوروبي على دول أفريقيا للسيطرة على الذهب والماس والعبيد؛ والصراع القائم في حوض النيل وحوض نهري دجلة والفرات اليوم كمثال صارخ على حروب السيطرة السياسية والنفوذ الاستراتيجي؛ والحرب الباردة كمنافسة استراتيجية بين قطبين عالميين. وهناك مئات الأمثلة متعددة الدلالات في سيرة الحروب على النفوذ والموارد والمنافسة الجيوسياسية عبر التاريخ والحاضر.

حروب تصف نفسها بأنها للهيمنة، وإن السلام لا يتحقق إلا بهزيمة الضعفاء… ألا يعني بأنه حان الوقت لتفكيك الوعي الزائف حول الحروب، وإيجاد مفهوم عادل للسلام؟

قد لا تكون الحروب قَدَرَاً محتوماً، ولكن تَجنُّبِها بحاجة ماسة إلى بناء أنظمة حوكمة عالمية عادلة، وبناء منظومة مبادئ أخلاقية مُلزمة تعزز التفاهم والحوار بين الثقافات، والإهتمام الجاد بمعالجة الأسباب الجذرية للصراعات كالفقر وعدم المساواة، والاستعمار.

التاريخ يُظهر أن البشرية قادرة على التعلم والتطور، والانتقال إلى عصر يكون فيه السلام ممكناً؛ وهذا منطق تفاؤلي واسع في محاولة للإجابة على سؤال وجودي مُلِح: هل يا ترى ستتجاوز البشرية يوماً ما منطق الحرب؟

تصاعد العنف والصراعات وسقوط الثنائية القطبية
يشير المفكر الاقتصادي الدكتور حكيم بن حمودة في مؤلفه “الجنوب الكبير ورحلة البحث عن عالم جديد” (منشورات نيرفانا 2025) إلى أن “الحروب بدأت تشكل ظاهرة أساسية في العلاقات الدولية منذ نهاية القطبية الثنائية والحرب الباردة في تسعينات القرن الماضي. إلا أن هذه الظاهرة ستعرف تصاعداً كبيراً منذ بداية الألفية لتصبح إحدى ركائز النظام الدولي”، وهنا يذكر بن حمودة الفرضية التي قدّمها الوزير اللبناني الدكتور غسان سلامة في مؤلفه سنة 2024 حول إشارته إلى “أن حرب الخليج سنة 2003 لعبت دوراً أساسياً فيما أسماه (la deregulation de la violence) أو رفع القيود على استعمال العنف في العلاقات الدولية”.

ويعود بن حمودة ليؤكد على أن هذه الحرب ساهمت “في تسريع وتيرة الحروب واللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، وفتحت المجال أمام عديد الدول الأخرى للدخول في مواجهات مباشرة وحروب متعددة”، كما يشير إلى إن الحرب المدمرة التي تخوضها آلة الحرب الإسرائيلية في غزة تنخرط “في مسار تاريخي انطلق مع سقوط القطبية الثنائية وانهيار الضوابط وإزالة القيود أمام اللجوء للقوة الغاشمة والمدمرة في العلاقات الدولية. وقد أدت أغلب هذه الحروب، كما هو الشأن في غزة، إلى إبادات جماعية ضد الشعوب والمدنيين العزل”.

ومن هذا جاء استنتاج بن حمودة على إن هذه الحروب جاءت “لتذكرنا بهذا الشرخ الكبير في عالم اليوم بين حُلم العيش المشترك والمبادئ الكونية للديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة، وواقع العلاقات الدولية كما تنبأ بها صامويل هنتنغتون في صراع الحضارات والتي ترتكز على العنف والحدة والقوة والهيمنة” من جهة أخرى.

إذن تعاني العلاقات الدولية، منذ انتهاء نظام الثنائية القطبية، من اختلالات هيكلية كَرَّسَت منطق الهيمنة والعنف والغزو لصالح القوى الكبرى والنظام الأحادي القطبية؛ فهل هذا النظام سيحقق السلام في العالم؟ أم إنه يعمل بإصرار وتعمُّد على إفشال بزوغ أي نظام دولي عادل لاحقاً؟

النظام الدولي وعقلية الاستعمار الفاعلة
مع الحذر من وعود غير واقعية عن إمكانية التغيير، يمكن القول أنه رغم هيمنة الغرب في العلاقات الدولية، إلا أن هناك صعود لقوى جديدة قد تُغَيّر المعادلة؛ وإن الوعي العالمي بالمشكلة قد يكون بداية الحل، وإن كشف الخلل هو أول خطواته.

ولكن، حتى اليوم لازالت القوى الصاعدة لا تُبدِي مؤشرات امتلاكها لأدوات تغيير المعادلة في ظل استمرار فاعلية عقلية الاستعمار… فلاتزال هذه العقلية لم تتجاوز منطق الحرب، فهل هناك أمل في التغيير؟

إن فاعلية عقلية الاستعمار تعبير عن وجهة نظر لها ما يبررها من الوقائع التاريخية والمعاصرة. وتظهر هذه الفاعلية على مستوى العالم اليوم في تطوير أنماط الهيمنة القديمة بأشكال حديثة، مثال: الاستعمار الاقتصادي، والسيطرة على الموارد، والحروب بالوكالة، وكثير من الصراعات الحديثة التي تخدم مصالح قوى كبرى على حساب الشعوب.

أما منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها التي تعكس توازنات ومصالح القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) غالباً لحماية مصالح الدول الكبرى دائمة العضوية، فقد جعلت من المعايير المزدوجة في التعامل مع الصراعات أمراً واقعاً، أدى إلى هشاشة المنظمة، وبدء العد التنازلي على تحييد أي دور قادم لها من أجل السلام.

لكن نعود للقول بأن هذا لا يعني أن النظام بأكمله غير قابل للتغيير، حيث صعود قوى جديدة (الصين، الهند، البرازيل…) قد يُعيد تشكيل النظام الدولي؛ وحيث قوة الرأي العام العالمي وتأثير وسائل التواصل باتت عوامل ضغط لا يمكن تجاهلها؛ وحيث إن المقاومة عبر الوسائل السلمية تظهر فعالية متزايدة، وبعض المؤسسات الدولية، مثال المحكمة الجنائية، رغم محدوديتها، تضع مساءله رمزية لتجاوزات القانون الدولي.

السؤال الجوهري هنا: هل يمكن تحويل فاعلية عقلية الاستعمار من الداخل أم يحتاج لآليات موازية جديدة؟

لربما التغيير ممكن في حال توحيد جهود “دول الجنوب الكبير” في نشوء قطبية جديدة، واستمرار فضح ازدواجية المعايير بشكل منهجي، وبناء تحالفات على أساس المصالح المشتركة بدلاً من الأيديولوجيات… فهل يكفي هذا ليكون رادعاً تاماً، أو كابحاً لأنانية الغرب وفوقية مصالحها؟… وما مدى إمكانية هذه الآليات في تحقيق التغيير؟

فاعلية عقلية الاستعمار وانزياح الأمم المتحدة
هذا موقف واقعي يستحق بحث أعمق للوصول إلى إمكانية تحقيق توازن رادع حقيقي، وليس مجرد تغيير في القيادة، لننتقل من سؤال هل سيحدث تغيير؟ إلى ما هو نوع التغيير وهل سيكون عادلاً؟

في تحليل موضوعي وشديد الواقعية لفاعلية عقلية الاستعمار الذي بدأ يتبلور صارخاً في الحروب الجيوسياسية منذ انتهاء الحرب الباردة، والتي يتم تتويجها بإنشاء مواثيق بديلة لميثاق الأمم المتحدة في إدارة الأزمات والصراعات والحروب في العالم، فإنه يمكن القول أن التغيير قادم، ولكن في الاتجاه المعاكس؛ باتجاه ازاحة المنظمة الأممية، وتحييد دور مجلس الأمن وأعضائه، وبدء مرحلة متميزة بنوعية أخرى من الصراعات، ونمط آخر من إدارة الحروب والأزمات، التي ستأخذ مساراً نحو المزيد من الهيمنة المباشرة، والمزيد من اللاعدالة في العالم.

لهذا يمكن القول إن صعود قوى شرقية جديدة مثل الصين قد يخلق تعددية قطبية، لكنه لا يضمن بالضرورة نظاماً دولياً أكثر عدالة أو سلاماً… هذه احتمالية يجب وضعها في الحسبان، في حال استمرار فاعلية العقلية الاستعمارية في الهيمنة، التوسع العسكري، والاستغلال الاقتصادي. وقد نشهد تنافساً بين عدة أقطاب على النفوذ والموارد في صراع جيوسياسي جديد؛ وكما حدث في الحرب الباردة قد يتم تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، ولكن بتركيبة أكثر تعقيداً. والتحدي الحقيقي هنا يكمن في قدرة الدول النامية على الحفاظ على سيادتها الاقتصادية، وقدراتها على التفاوض بنِدّيَة.

فهل تمتلك الدول العربية القوة اللازمة لبناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية في ظل الواقع الجديد؟

إجمالاً العرب اليوم يرفضون أن يكونوا بين مطرقة فاعلية عقلية الاستعمار الغربي وسندان هيمنة نظام دولي لا يحقق العدالة… والمعضلة ليست في الاختيار بين قطبين، بل في السعي لإستعادة الإرادة المستقلة والتفاوض من موقع النِدّيَة مع كل الأقطاب؛ لنكرر سؤالنا: ما هو سبيل العرب لتحقيق الاستقلالية في ظل سلام التوازنات الإقليمية والدولية الصاعدة، وليس سلام الأقوياء المفروض بالنار والدمار؟

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى