أهم الأخبارتقارير

“لحظة القوة الوسطى”: كيف أعادت الإمارات رسم استراتيجيتها الإقليمية؟

في قراءة تحليلية معمقة نشرت في صحيفة “ترايبيون” الباكستانية، سلط الأكاديمي والكاتب الباكستاني الدكتور محمد علي إحسان الضوء على التحول الجذري في السياسة الخارجية الإماراتية، معتبرا أن الحرب الأخيرة مع إيران لم تكن مجرد اختبار أمني، بل كانت محطة مفصلية لتقييم صعود الإمارات كـ “قوة وسطى” مؤثرة في النظام الإقليمي.

من “الدولة الباحثة عن الحماية” إلى “اللاعب الاستراتيجي”
يرى إحسان أن الإمارات نجحت خلال العقد الماضي في الانتقال من استراتيجية “الدولة الصغيرة الباحثة عن الحماية” إلى استراتيجية طموحة تهدف إلى تشكيل محيطها الاستراتيجي.
ويشير الكاتب إلى أن “اتفاقيات إبراهيم” عام 2020 مثلت نقطة تحول كبرى، حيث عززت من رؤية أبوظبي لنفسها كلاعب لا يقتصر دوره على الإطار الخليجي التقليدي، بل يمتد ليشمل شراكات دولية أوسع.

وبحسب المقال، لا يستند النفوذ الإماراتي المتنامي إلى القوة العسكرية التقليدية فحسب، بل إلى “القوة الناعمة والاقتصادية” المتمثلة في التحكم في مسارات التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والخدمات اللوجستية.
هذا التوجه يفسر التوسع الإماراتي الاستراتيجي في موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق إفريقيا؛ حيث تعتبر أبوظبي أمن هذه المناطق امتدادا مباشرا لأمنها الوطني، نظرا لاعتماد اقتصادها على استقرار طرق الشحن والطاقة.

الحرب وتغير الأولويات
يكشف الكاتب أن الحرب الأخيرة مع إيران أظهرت هشاشة الاقتصاد العالمي أمام التهديدات التي تستهدف سلاسل التوريد، وهو ما دفع الإمارات للتركيز على استعادة الاستقرار وفتح الممرات البحرية كأولوية تتجاوز الحسابات الأيديولوجية أو الصراعات التقليدية.
ويشير إحسان إلى أن السياسة الإماراتية الحالية تعتمد على “تنويع الشراكات” وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة؛ فهي تحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بينما توسع نطاق تعاونها مع الصين وروسيا والهند وباكستان.

النموذج الإماراتي-الباكستاني: شراكة المستقبل
يبرز المقال العلاقات الإماراتية الباكستانية كنموذج لهذا النهج الاستراتيجي؛ حيث لم تعد العلاقة مقتصرة على الدعم المالي التقليدي، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية تشمل الاستثمار في البنية التحتية، والطاقة، والتعاون الأمني.
ويؤكد إحسان أن أهمية باكستان للإمارات تنبع من موقعها الجغرافي كحلقة وصل استراتيجية بين الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، مما يجعلها ركيزة أساسية في رؤية أبوظبي للربط التجاري العالمي.

يخلص المقال إلى أن الإمارات، بفضل هذا النموذج التنموي، لم تعد تتصرف كدولة خليجية تعتمد على الغير، بل كقوة وسطى تسعى لرسم ملامح محيطها الاستراتيجي بنفسها.
ومع ذلك، يشدد الدكتور إحسان على أن الاختبار الحقيقي أمام أبوظبي في السنوات المقبلة يكمن في قدرتها على إدارة نفوذها وشبكة شراكاتها الدولية بحكمة، دون إثارة مخاوف الجيران أو الانجرار إلى منافسات إقليمية تستنزف مواردها، لتثبت أن الاقتصاد والربط التنموي هما الأدوات الأكثر استدامة لبناء القوة والنفوذ في عالم اليوم.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى