قريتي والحرب الإيرانية العراقية(2)
في بداية شارعنا، حيث تتربّع “الرُّبْضَة” كقلب الحي النابض، كان شارعنا الضيّق يفصل بين بيت الحاج زوير وبيت الحاج شويل. مع الساعة الرابعة عصرًا في أيام الشتاء الباردة، كنّا نلتقي هناك – وأغلب الوجوه التي سأذكرها قد رحلت عن دنيانا، أسأل الله أن يتغمدهم برحمته – لنبدأ ألعابنا الشعبية. نلعب “المحجيم”؛ فننقسم إلى فريقين ونقفز على قدم واحدة، ونتدافع بحماس الطفولة… ثم نلعب “الهَوْشَة” و”الدُّعْبُل”. أما الكبار، فكانوا يجلسون في زاوية أخرى، قلوبهم معلقة بالعراق، يحللون أخبار المعارك والطائرات والقصف، حتى يبداً المؤذنين علي المشكوك رحمه الله عيله ب نشرت اخبار القريه و يؤذن المغرب، فينقطع الحديث للصلاة.
كنا نتابع أخبار الحرب عبر المذياع العراقي بنفوس مرهفة. إذا سمعنا بنصر للعراق، خرج الرجال إلى المسجد وهم يرفعون رؤوسهم فخرًا، وكأن الأذان نفسه يعلو فرحًا. أما إذا جاء خبر تراجع، خفت صوت الأذان، ومشينا إلى الصلاة في صمت ثقيل، تملؤه الدعوات الخافتة لإخواننا هناك.
كان المرحوم شويل الخليفة الرجل الوحيد الذي يؤيد النظام الإيراني، ولم يستطع إقناع أحد بموقفه، لكنه دافع عنه بعناد. في المقابل، كان أبو جابر – رحمه الله – يدافع عن العراق بشراسة، وإلى جانبه يقف علوان الشويل.
أمنية علوان الشويل الوحيدة – التي لم تتحقق – كانت أن يرى أحد “شيوخ الدين” يركض خائفًا، فيمسك بهذا الرجال، وينزع عمامته، ويأخذه إلى مخزن التبن، ويقول له: “خذ ماءً وتبنًا، وتوكل على الله كما فعلنا من قبل!”. وكان يردد هذا الدعاء كلما سمع “الله أكبر” في الأذان. رحل قبل أن تتحقق أمنيته، عسى أن يحققها الجيل الحالي.
أما والدي، فكان رجلًا صامتًا لا يخوض في النقاشات، لكنه حين يتكلم “يميل الميزان”. إذا جاء خبر نصر، فُتح باب وامتلأ البيت برائحة القهوة العربية والفحم والشاي، كأننا في عيد. أما إذا سمعنا بتراجع، ظلت الفوانيس مطفأة، ونام الجميع باكرًا على أمل غد أفضل، في صمت لا تكسره سوى همسات الليل.
لا أنسى ذلك اليوم الذي جاءت فيه سيارة محملة بالسلاح، يحملها ثلاثة رجال: ناصر طهراني وناصر خشتي وفميشي. اجتمعنا حولهم صباحًا وهم يحاولون تجنيدنا في الحرس. كنا شبابًا متحمسين نلمس السلاح بنظرات متعجبة. بعد يومين من التمارين، ذهب الحاج علي الدلفي إلى مقر الحرس وقال لهم: “لدينا مسجد واحد فقط، وتجنيد الشباب هنا يناقض تعاليم ديننا”. في صباح اليوم التالي، فقال لهم وجدنا حمارًا واقفًا عند باب المسجد – أكرمكم الله – دون أن و وجدنا من رجالتكم ماسك بيه يجمعونا ليلًا، لكنهم اختفوا مع الفجر. وهكذا انتهت محاولة التجنيد، وعشنا كما كنا.
ظلت مضافاتنا مليئة بالشباب، والحديث عن الحرب لا ينقطع. طوال ثماني سنوات، لم يشارك أحد من قريتنا في الحرس أو الجيش أو أي جهة حكومية، والحمد لله أننا لم نحمل سلاحًا ضد إخواننا العراقيين. رغم محاولات التجنيد المتكررة، كان رجالنا يهربون – كل أسد يحمي كرامته – ومازلت أذكر تلك المشاهد وكأنها حدثت البارحة.
المهندس حسين علي الأحوازي



