أهم الأخبارتقارير

إيران وصناعة الفوضى الإقليمية: أربعة عقود من النفوذ الذي أعاد تشكيل أزمات الشرق الأوسط.

 

شكّلت سياسة طهران الخارجية أحد أبرز عوامل التوتر وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، لم يقتصر تأثير طهران على حدودها الجغرافية، بل امتد عبر شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والأمنية والسياسية التي ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وأدخلت عدداً من الدول في دوامات طويلة من الصراعات الداخلية والتنافس الجيوسياسي.

وبينما تؤكد السلطات الإيرانية أن سياستها الخارجية تهدف إلى حماية أمنها القومي ومواجهة التهديدات الخارجية، ترى دول عديدة في المنطقة والقوى الغربية أن هذه السياسة أسهمت بشكل مباشر في تأجيج النزاعات وإضعاف استقرار عدد من الدول العربية.

تعود جذور هذا الجدل إلى تبني طهران مبدأ “تصدير الثورة”، وهو المفهوم الذي انعكس على طبيعة علاقاتها الإقليمية.

وخلال العقود اللاحقة، توسع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، مستفيداً من التحولات السياسية والحروب التي شهدتها المنطقة.

ومع اندلاع الحرب في العراق بعد عام 2003، ثم الحرب السورية عام 2011، والأزمات المتلاحقة في اليمن ولبنان، أصبحت إيران لاعباً مركزياً في ملفات أمنية وسياسية تتجاوز حدودها الوطنية.

وتشير تقديرات مؤسسات بحثية دولية إلى أن إيران أنفقت مليارات الدولارات خلال العقدين الماضيين لدعم حلفائها الإقليميين.

وقدرت تقارير صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية ومراكز أبحاث غربية أن الدعم الإيراني للنظام السوري خلال سنوات الحرب تجاوز عشرات المليارات من الدولارات، سواء عبر التمويل المباشر أو الدعم العسكري واللوجستي.

كما تواصل طهران تقديم دعم سياسي وعسكري لجماعات مسلحة في عدة دول، وهو ما تعتبره جزءاً من استراتيجيتها الدفاعية المتقدمة، بينما تعتبره دول أخرى تدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية.

في العراق، مثّل سقوط نظام صدام حسين عام 2003 نقطة تحول استراتيجية لإيران، فقد نجحت طهران في بناء علاقات واسعة مع قوى سياسية وفصائل مسلحة باتت لاحقاً جزءاً من المشهد الأمني والسياسي العراقي.

وعلى الرغم من أن بعض هذه القوى لعب دوراً مهماً في مواجهة تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017، فإن استمرار وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران خارج الإطار التقليدي للدولة ظل محل انتقادات داخلية وخارجية بسبب تأثيره على سيادة المؤسسات العراقية وعلى التوازنات السياسية في البلاد.

أما في سوريا، فقد كان التدخل الإيراني أحد أهم العوامل التي ساعد نظام بشار الأسد على الصمود خلال سنوات الحرب.

وقد دفعت طهران بآلاف المستشارين والعناصر المرتبطة بها إلى الساحة السورية، إضافة إلى تقديم دعم مالي وعسكري واسع، غير أن هذا الدور جعل الأراضي السورية ساحة مفتوحة للمواجهات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الضربات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت مواقع مرتبطة بإيران، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد حالة عدم الاستقرار الأمني.

وفي لبنان، يرتبط الجدل حول الدور الإيراني بشكل أساسي بدعم طهران لحزب الله، الذي يُعد من أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في البلاد، وبينما يرى أنصاره أنه يمثل قوة ردع في مواجهة إسرائيل، يعتبر خصومه أن امتلاكه قدرات عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة اللبنانية ساهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني، وأثر على قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة.

وقد تفاقمت هذه النقاشات مع الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، والتي أدت إلى انكماش اقتصادي تجاوز 38% خلال سنوات قليلة وفق بيانات البنك الدولي.

وفي اليمن، تحول النزاع إلى أحد أكثر الصراعات تعقيداً في العالم، وتتهم الأمم المتحدة ودول غربية وإقليمية إيران بتقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري والتقني لجماعة الحوثيين، وهو ما تنفيه طهران أو تقلل من حجمه.

وأسهم استمرار الحرب في خلق أزمة إنسانية واسعة النطاق، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بالنزاع منذ اندلاعه عام 2014.

وتتجاوز تداعيات السياسة الإقليمية الإيرانية الجانب العسكري لتشمل أبعاداً اقتصادية واسعة، فقد أدت حالة التوتر المستمرة في الخليج العربي، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على أسواق الطاقة العالمية.

كما ساهمت الهجمات والتوترات البحرية خلال السنوات الماضية في رفع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما انعكس على التجارة الدولية وأسعار الطاقة.

في المقابل، تطرح إيران رواية مختلفة تعتبر أن وجودها الإقليمي جاء استجابة لفراغات أمنية نشأت نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية في المنطقة.

وتؤكد القيادة الإيرانية أن دعمها لحلفائها يهدف إلى مواجهة التنظيمات المتطرفة وتعزيز ما تسميه “محور المقاومة”.

ويستشهد المسؤولون الإيرانيون بدور الفصائل المدعومة من طهران في مواجهة تنظيم “داعش” كدليل على أهمية هذا النهج، إلا أن منتقدي هذه السياسة يرون أن المكاسب الأمنية قصيرة المدى رافقتها تكلفة استراتيجية طويلة المدى تمثلت في زيادة الاستقطاب الإقليمي وتعميق الانقسامات الطائفية والسياسية.

وعلى الصعيد الدولي، انعكست هذه السياسات على علاقة إيران بالمجتمع الدولي، فقد تعرضت طهران لسلسلة من العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية التي استهدفت قطاعات حيوية من اقتصادها، بما في ذلك الطاقة والقطاع المالي.

ووفق بيانات المؤسسات المالية الدولية، واجه الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الأخيرة معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت في بعض الفترات 50%، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وتباطؤ معدلات النمو، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر على مستوى المعيشة داخل البلاد.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة لا تزال تواجه معضلة أساسية تتمثل في كيفية تحقيق توازن بين المصالح الأمنية المتنافسة للدول الإقليمية، فاستمرار الصراعات المفتوحة ووجود فاعلين مسلحين خارج الأطر الرسمية للدول يزيد من احتمالات التصعيد ويحد من فرص بناء منظومة أمنية مستقرة.

وفي الوقت ذاته، فإن أي تغيير جوهري في سلوك إيران الإقليمي سيظل مرتبطاً بمجموعة معقدة من العوامل الداخلية والخارجية، تشمل طبيعة النظام السياسي الإيراني والعلاقات مع الولايات المتحدة والتوازنات الإقليمية الأوسع.

و تظهر التجربة الإقليمية خلال العقود الأربعة الماضية أن السياسات الإيرانية كانت عاملاً رئيسياً في العديد من الأزمات والنزاعات التي شهدها الشرق الأوسط، سواء من خلال التدخلات المباشرة أو عبر دعم حلفاء محليين في دول متعددة.

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى