بين واشنطن وطهران

تاج الدين عبدالحق

تبدو الإدارة الأمريكية، وهي تتفاوض مع إيران من أجل تعديل الاتفاق النووي معها، أسيرة للحسابات الحزبية، التي تدفع إدارة بايدن منذ وصوله للبيت الأبيض، للانقلاب على كامل إرث سلفه دونالد ترامب، بما في ذلك الاتفاق النووي الذي كانت إدارة الجمهوريين، قد ألغته قبل حوالي أربع سنوات، وبالتحديد في مايو من عام 2018.

فعلى قاعدة الانتقام، التي حكمت تصرفات إدارة بايدن تجاه كل ما قامت به الإدارة السابقة، تجري المفاوضات مع طهران، على أمل الوصول إلى صيغة تحسن من شروط الاتفاق النووي. ومع تضاؤل فرص نجاح الإدارة الأمريكية في إجراء تعديلات أساسية في شروط الاتفاق، فإن البيت الأبيض يأمل في أن تنتهي المفاوضات بما يحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية، التي يبدو أنها تسرعت في إبداء استعدادها للعودة إلى الاتفاق.

وبعكس ما تتركه جولة المفاوضات الجارية حاليا من انطباعات، فإن فكرة التفاوض مع طهران أساسا ليست فكرة جديدة ابتدعتها الإدارة الحالية، بل إن إدارة الرئيس ترامب كانت تتبنى نفس الفكرة لكن على أسس مختلفة، ولأهداف مغايرة عن تلك التي يسعى إليها بايدن.

فترامب طلب التفاوض لا لتجميل الصورة، ولكن لردم وسد الثغرات التي تضمنتها الاتفاقية، وعلى أساس مقاربة جديدة، واتفاق جديد يأخذ بعين الاعتبار قضايا أخرى تتصل بالعلاقة مع إيران ودورها الإقليمي.

كانت فكرة الرئيس ترامب تقوم على أساس ترويض الموقف الإيراني للقبول بالتفاوض من جديد، وعلى اتفاق مختلف بالكامل، في ضوء ما ظهر من عيوب في الاتفاق الذي كانت إدارته قد ورثته عن إدارة الرئيس أوباما الديمقراطية قبل رحيلها العام 2016.

وقد كاد مسعى ترامب أن ينجح في الوصول لاتفاق جديد، والبدء بمفاوضات على قاعدة عمل مختلفة وأسس جديدة، لو أتيحت للرئيس السابق ولاية ثانية، تمكنه من جني ثمار الضغوط التي أخذت واشنطن تمارسها بالتزامن مع إلغاء الاتفاق، والتي حشرت طهران في زاوية عقوبات قاسية، حدت من إمكانيات المناورة لديها، وفاقمت مشكلاتها ومصاعبها الاقتصادية والمالية.

بل إن إلغاء الاتفاق، الذي واجه بعض الانتقاد في البداية، لقي نوعا من التفهم فيما بعد لدى قوى غربية، شريكة في ذلك الاتفاق، ولدى أطراف إقليمية متأثرة به، بعد أن تجسدت أمامهم المخاطر التي كانت تحملها الصيغة الملغاة، وبعد أن ظهرت أبعاد ما يحمله الاتفاق السابق من مخاطر تمس الأمن الإقليمي، الذي كان يشكل على الدوام، امتدادا حيويا للمصالح الغربية، فضلا عما يحمله الاتفاق من مزايا لإيران تعزز دورها في المنطقة، على حساب بقية دول الإقليم.

كان يفترض بإدارة الرئيس بايدن أن تتعامل مع المعطيات التي كشفتها إدارة ترامب عند إقدامها على إلغاء الاتفاق، تعاملا يتفق مع المصالح الأمريكية الأساسية، لكنها وبدافع النكاية الحزبية، تعاملت مع الأمر تعاملا انتقاميا، فنظرت لإلغاء الاتفاق باعتباره خطيئة للرئيس الأمريكي السابق، يتعين الرجوع عنها وإصلاحها، ولو كانت بذلك ستلتقي مع الموقف الإيراني، حتى قبل أي بحث أو حديث، أو تفاوض حول شروط وآليات العودة للاتفاق الملغى.

كان اهتمام إدارة الرئيس بايدن إزاء الاتفاق ينصب، بالدرجة الأولى، على الكيفية التي يمكن من خلالها تبرئة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وتبييض صفحته، وعدم الإقرار بأن الاتفاق كان غلطة الديمقراطيين التي ورثتها إدارة ترامب الجمهورية.

هذه المقاربة، وهذا المناخ الذي حكم إعادة التفاوض مع طهران، قوّى بصورة واضحة الموقف التفاوضي الإيراني، للدرجة التي بات فيها قادرا على إملاء شروطه، بشأن شكل التفاوض ومداه وحدوده.

وفيما كان العالم ينتظر تراجع إيران أمام الضغوط الأمريكية، أخذت طهران تصعد موقفها، من خلال زيادة اختراقاتها للاتفاق الملغى؛ بحجة أنها لا تتحمل وزر تجميد أو إلغاء الاتفاق، وبالتالي من حقها العودة إلى برنامج تخصيب اليورانيوم بحدود أعلى من تلك المقررة في الاتفاقية، وإعاقة المراقبة على البرامج النووية بحجة أن المراقبة لم تعد قائمة، من الناحية الفعلية بعد إلغاء الاتفاق الذي حدد آليات وطبيعة تلك المراقبة.

المفاوضات في مثل هذا المناخ، أعطت لإيران فرصة إضافية للتشدد في موقفها إزاء برامجها الصاروخية، وتدخلاتها في الصراعات الإقليمية. ولذلك فإن فشل الإدارة الأمريكية في هذه المفاوضات الجارية حاليا، سيبعث برسالة مقلقة لدول المنطقة، حول أولويات الإدارة الأمريكية، وما إذا كانت عودتها للاتفاق النووي بشكله القديم وثغراته العديدة، تعني ضمنا عودة لسياسة الانكفاء التي أطلقها الرئيس الأسبق أوباما، والتي تترك منطقة الشرق الأوسط في مكان بعيد عن الاهتمامات، والأولويات التقليدية للسياسة الأمريكية.

 

نقلا عن أرم نيوز

In this article

Join the Conversation


آخر الأخبار