إيران وطالبان

 
مصطفي الفقي
يعتبر قيام الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه فى إيران عام 1979 توقيتًا لانطلاق حركات التشدد الدينى فى العالم الإسلامى، خصوصًا أن ذلك قد جاء بعد تشكيل فرق المقاومة الأفغانية ضد الوجود الروسى الذى أحال الدولة الأفغانية إلى نقطة مواجهة بين الأصولية الإسلامية فى جانب والأطماع الأجنبية فى جانب آخر، لذلك فإننا ننظر إلى الثورة الإيرانية باعتبارها تمثل نقطة تحول لاندفاع حركة التشدد الدينى بين المسلمين فى عصرنا الحالى.
وبرغم أن الثورة التى اندلعت فى طهران وأعادت الإمام الخمينى فى فبراير عام 1979 هى حركة مسيّسة وليست دينية خالصة، على الرغم من ذلك، فإننا نرى أنها قد استهدفت تحقيق أطماع القومية الفارسية بالدرجة الأولى، ويكفى ما رُوى عن الإمام الخمينى قوله فى الطائرة التى أقلّته من فرنسا إلى بلاده (إن العرب قادوا العالم الإسلامى لعدة قرون كما قاده الترك لعدة قرون أخرى، وقد جاء دور الفرس ليتولوا قيادة هذا العالم الذى ينتمون إليه).
 
ولقد شجعت الثورة الإيرانية الحركات الراديكالية فى العالم الإسلامى على الاستيقاظ وإثارة المشاكل وحشد التنظيمات فى محاولة لتغيير واقع المنطقة بالكامل، برغم الخلاف الظاهرى بين أهل السنة وبين أتباع المذهب الشيعى، ولقد قدمت أحداث أفغانستان الأخيرة الجانب الآخر للدولة الإسلامية المتشددة بجوار إيران مع اختلاف طفيف من حيث المذهب الدينى السنى السائد فى ربوع أفغانستان.
وبذلك أصبحنا أمام مشهد فريد لجوار جغرافى بين دولتين إسلاميتين، يتميز نظام الحكم فى كل منهما بأنه حكم دينى، رغم الاختلاف المذهبى، والذى يهمنا هنا هو العلاقة المباشرة بين كل من الحكومتين الإيرانية والأفغانية وبين التنظيمات الإرهابية التى تتغطى بعباءة الإسلام وترفع عمامته، فتنظيم القاعدة الذى ولد فوق جبال أفغانستان لا يختلف كثيرًا عن تنظيم داعش الذى ولد فى وديان العراق، وقد امتد التنظيمان ليصبحا خطرًا كبيرًا على الإنسانية كلها بغير استثناء، وإذا كان فكر المؤامرة قد تمكن من الربط بين حادث تفجير برجى التجارة وتنظيم القاعدة وفتح لقياداته سجن جوانتنامو الذى تخرجت منه الكوادر الجديدة والتى عاد بعض رموزها إلى الوطن الأفغانى ليتبوؤا المناصب السياسية ويتصدروا سدة الحكم.
 
 
فإن تنظيم داعش على الجانب الآخر بدأ يسترد أنفاسه ويحاول العودة من جديد إلى ممارساته الإرهابية التى روّعت الدنيا وأزعجت البشرية فى السنوات الأخيرة، وفى ظنى أنه على الرغم من الاختلاف بين طبيعة التنظيمات المتشددة السنية فى جانب أو المدافعة عن الشيعة العرب والفرس فى جانب آخر، فإنه لا يخالجنى شك أن أحداث أفغانستان الأخيرة قد أعطت قُبلة الحياة – ولو وهمًا- لتلك التنظيمات فى كل اتجاه، ذلك أنها لوّحت من جديد بإمكانية الحياة بعد أن غربت شمسها وتصورناها متجهة إلى زوال، وقد يكون من المناسب أن نطرح هنا ملاحظتين مهمتين:
 
 
الأولى تتمثل فى شعور غامض بأن ما جرى على أرض الأفغان هو مقدمةٌ لتحركات واسعة وطويلة المدى تستهدف فى النهاية سلامة العالم الإسلامى ورسوخ أركانه، ونحن هنا فى مصر – بلد الأزهر وقلب العالم الإسلامى- مطالبون بحالة استنفارٍ حكيمة ترد الصواب إلى أصحابه وتلفت النظر إلى ما هو قادم من مخططات تستهدف الإسلام والمسلمين وتستعدى غير المسلمين عليهم بالاستفزازات المتكررة والأعمال الإرهابية المفاجئة، وليتذكر الجميع أن نقاء الإسلام سوف ينتصر فى النهاية على كل محاولات تلويثه أو الادعاء عليه حتى يظل نقيًا كما أراد له الله.
الثانية أنه قد آن الأوان لصنع رؤية عربية موحدة تجاه إيران وأفغانستان معًا، إذ إنه رغم الاختلاف البيّن الذى نراه بين النظامين، فإن الحد الأدنى من التعاطف بين الحركات الدينية سوف يفرض نفسه فى النهاية على الدولتين، خصوصًا فى ظل حالة التودد والنفاق الظاهرى الذى يصدر عن موسكو وبكين تجاه دولة طالبان حتى لو كان الأمر مرحليًا لاستكشاف نوايا زمرة الحكم الجديد فى بلاد الأفغان، وهل يمكن إقامة حوار جاد معهم فى ظل هذه الظروف التى يعيش فيها ثوار طالبان تحت أضواء النصر وفى ظل الإحساس المباشر أنهم سادة البلاد وقادة العمل الإسلامى فى المنطقة؟ لا يخالجنى شك أيضًا أن الجماعات الإسلامية الأخرى سوف تتعاطف مع ما جرى وتمد يد التضامن والتعاون مع من يحكمون فى كابول.
تلك رؤية عاجلة لتحالف محتمل ولو بعد حين، بين كابول التمرد السنى وطهران التمرد الشيعى.
 
 
* نقلا عن “المصري اليوم”
In this article

Join the Conversation


آخرین خبرها