أهم الأخبارمقالات

احتمالات ضرب إيران وسيناريوهاته ونتائجه

أياً كان القرار بالاستهداف أو التراجع ستكون هناك تداعيات حقيقية على أطراف المعادلة وعلى النظام الدولي وقواعده وآلياته

 

نبيل فهمي

أثناء كتابة هذه السطور، تتصاعد احتمالات الضربة الأميركية على إيران، وقد يحسم القرار وسيناريوهاته العسكرية من عدمه قبل النشر، وإنما ستظل النتائج غير محسومة سريعاً، مع تعدد الأهداف والسيناريوهات والنتائج المحتملة وتداعياتها، وضع يستوجب التأمل والتقييم لأهميته وخطورته.

أولى وأهم الاعتبارات في القراءة والاستعداد لما هو قادم هو تحديد الهدف من التصعيد، والحراك العسكري الذي نفذ حتى الآن وما يتبعه، إذ تشير مصادر أميركية إلى أن الهدف هو قيام إيران بالاستجابة لصفقة نووية جديدة، بما يعني في الأساس وقف التخصيب وتطبيق ضمانات التفتيش على المرافق النووية، ومن غير المستبعد أن يضاف إلى ذلك أيضاً الحد من ومنع تطوير قدراتها الباليستية، في حين يلاحظ أن آخرين بمن فيهم المستشار الألماني، يتحدثون عن قرب نهاية النظام الإيراني، وأن الاتحاد الأوروبي صعد ضد الحرس الثوري الإيراني وأعلنه منظمة إرهابية، مما جعل المتطلبات تتجاوز العنصر العسكري لتشمل الاستقرار والتوجه السياسي للنظام.

توجهات تشكل من قبل عدة مراكز قوة إيرانية لها مواقف داخلية وخارجية مختلفة، كذلك هناك تطلعات إسرائيلية تشمل كل هذه المطالب العسكرية والسياسية، فضلاً عن إنهاء الانتشار الإيراني الشرق أوسطي، واقتراب الرئيس ترمب من مطالب التغيير السياسي والإقليمي أخيراً من دون أن يتبناها كلية عندما نوه أن اختيار المالكي رئيساً لوزراء العراق سيعكس تنامياً مرفوضاً في النفوذ الإيراني الإقليمي.

تساؤلات وأهداف عدة لكل منها سيناريوهات واحتمالات ونتائج متشعبة وردود فعل مختلفة محتملة من إيران وعلى ساحتها، ولن يُحسم أي منها على المدى القصير لتشعب وتنوع الساحة الإيرانية وصعوبة الوصول إلى تقدير دقيق لتداعيات أي تغيير على مؤسسات ومصالح إيرانية مجتمعية متنوعة.

أسهل الخطوات عملياتياً هي سعي الولايات المتحدة إلى إضعاف النظام من دون تغييره بعمليات عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من البرنامج النووي ومراكز تخزين وإطلاق الصواريخ، وهو الحد الأدنى في الطموحات الأميركية المعلنة، إنما قد تستهدف العمليات أيضاً معسكرات الحرس الثوري الإيراني باعتبارها العمود الفقري للنظام، على أمل خلق زخم سياسي نحو الديمقراطية وإنهاء النظام القائم، أو في الأقل إضعاف النظام الإيراني وجعله يعدل سياساته وطموحاته، وهو أمر يتطلب تغير أيديولوجية النظام وعلى وجه الخصوص الحرس الثوري.

ومن الاحتمالات الأخرى للعمليات العسكرية المحدودة والهادفة لمواقع محددة وفقاً للأهداف الأميركية، انهيار النظام الإيراني الديني، واستبداله بحكومة عسكرية قوية من الحرس الثوري، حفاظاً على استقرار إيران، وإنما لن تطمئن الولايات المتحدة أو إسرائيل لهذه النتيجة سريعاً نظراً إلى تشدد الحرس الوطني وارتباطه بالنظام الإيراني الحالي، كذلك قد لا يرتاح لها عدد من دول المنطقة.

لا يختلف أحد على أن القدرات الإيرانية العسكرية لا تواكب القدرات الأميركية أو الإسرائيلية، مهما استعادت من قدراتها عقب استهداف برنامجها النووي، ولا تحظى التهديدات الإيرانية بأنها على كافة الاستعداد لرد فعل عسكري عنيف بصدقية، أو تشكل تهديداً حقيقياً، إنما هناك قلق حقيقي من حجم الخسائر المحتملة إذا استهدفت إيران بكفاءة معسكرات وقواعد أو سفن أميركية بالخليج، وقد تستهدف إيران المصالح الأميركية والخليجية عامة بدلاً من الأهداف العسكرية، من خلال وضع الألغام في مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقارب ربع صادرات الغاز الطبيعي ومنتجاته، أو استهداف بعض المرافق الاقتصادية.

وفضلاً عن تداعيات العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، هناك قلق بالغ لدى عدد من الدول الخليجية والإقليمية من انهيار النظام الإيراني ودخول إيران في حرب أهلية على غرار دول أخرى في المنطقة، خشية تفاقمها بنزاعات طائفية وعرقية عدة بين الأكراد والبلوشيين وأقليات أخرى، تأميناً لمصالحهم في الفضاء السياسي، وتمتد عبر الحدود المجاورة.

هذا ويتابع المجتمع الدولي عامة الأحداث باهتمام وقلق، ومن زوايا مختلفة، فعدم استقرار إيران يثير تساؤلات حول استقرار مصادر الطاقة وأسعارها، وهذا يلحظ اهتمام الصين التي وقعت اتفاقات طويلة الأجل مع إيران في الأوان الأخيرة، كذلك تتابع روسيا الأحداث عن قرب أيضاً باعتبار أن إيران تدعم موقفها من أوكرانيا، وأتوقع أن تندد الصين وروسيا بأي عمليات عسكرية، مع تجنب أي اشتباك عسكري مع الولايات المتحدة أو إسرائيل في الساحة الإيرانية.

أيضاً هناك متابعة وقلق واسعان على المستويين الإقليمي والدولي من تنامي استخدام القوة في العلاقات الدولية بصورة انفرادية وخارج إطار الأمم المتحدة، فإقليمياً في الشرق الأوسط وعالمياً، يفتح ذلك الباب أمام هيمنة أطراف على آخرين وعسكرة العلاقات بين الدول، مما يدفع الغالبية نحو زيادة عنصر العسكرة المحتملة في حساباتهم، ويدفع بسباق تسلح مكلف ومدمر على حساب توجيه الموارد نحو التنمية وممارسة الضغوط بدلاً من التحاور عامة، حتى بين الحلفاء. وأحدث الأمثلة فرض الولايات المتحدة جمارك إضافية على صادرات أي دولة تخالفها الرأي، والخلافات التي نشبت بينها وبين حلفائها الأعضاء في حلف الشمال الأطلنطي حول غرينلاند.

مع كتابة هذه السطور، من الصعب الجزم بأن العمليات العسكرية حتمية، أو أن كلفتها الباهظة تجعلها مستبعدة، نظراً إلى الأسلوب التفاوضي – الصدامي للرئيس الأميركي وميله للمبالغة والمفاجآت، ولارتفاع كلفة المطالب الأميركية والإسرائيلية على النظام الإيراني، وإنما أعتقد أن التصعيد العسكري الأميركي وصل إلى مستوى يجعل من الصعب على ترمب التراجع من دون تحقيق إنجاز حقيقي.

في الوقت ذاته، كلما امتدّ الوقت ارتفعت المطالب من إيران، وجعلتها قضايا وخيارات وجودية للنظام الإيراني يصعب التجاوب معها، مما جعل النظام يضع خططاً مختلفة للحفاظ على وجوده حتى إذا استُهدفت قياداته، مما يزيد من احتمالات المواجهة لاعتبارات جيوسياسية أو لمجرد الحفاظ على ماء الوجه الأميركي أو الإيراني، علماً أن هناك خياراً آخر، احتمالات تحقيقه غير مرتفعة، وهو انسحاب رموز النظام الإيراني من الساحة واستبدال قياداته ببعض الشخصيات صاحبة الصدقية والمحتجزين في السجون الإيرانية.

أياً كان القرار بالضرب أو التراجع، ستكون هناك تداعيات حقيقية على أطراف المعادلة وعلى النظام الدولي وقواعده وآلياته، وربنا يستر على الشرق الأوسط.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى