أهم الأخبارمقالات

حرب إيران المؤجلة

أميركا وإسرائيل تنتظران مصير الانتفاضة في طهران فيما تتزايد احتمالات ضربة لـ"حزب الله"

 

طوني فرنسيس

حفل الأسبوع الذي أعقب العملية الأميركية الخاطفة في كراكاس واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى سجنه في نيويورك، بالتكهنات عن الخطوة التالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب. هل تكون هجوماً على إيران؟ أم على دولة أميركية لاتينية أخرى؟ أم ستكون تصعيداً في مكان آخر بين كندا وجزيرة غرينلاند؟

جواب الأسبوع أوضح أن الجزيرة التابعة للدنمارك تحتل مرتبة متقدمة في سلم أولويات ترمب، مع أن أبرز حلفائه، بل وشريكه الأقرب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حاول الإيحاء بأولويات أخرى هي أصلاً في صلب اهتماماته ومشاغله التي يتشاركها مع الرئيس الأميركي.

فمثلما يبرر ترمب سياساته انطلاقاً من كونه رسولاً للسلام والحضارة والتقدم ورائداً في وضع حد للحروب أو مانعاً لاندلاعها، لم يتأخر نتنياهو العائد من اجتماعات مارالاغو في الثناء على غزوة مضيفه في فنزويلا، وليعلن أنه هو أيضاً في غزواته وحروبه إنما يقوم بخدمة جليلة للبشرية، تماماً كدونالد ترمب. ففي خطاب أمام الكنيست، الإثنين الماضي، أبدى اعتزازه بأن “إسرائيل هي التي تقود العالم المتحضر في مواجهة البرابرة والشر في الشرق الأوسط”.

وفي اجتماعات متلاحقة عقدها منذ عودته من قمته الخامسة مع الرئيس الأميركي هذا العام، ركز مع معاونيه، الأمنيين خصوصاً، على متابعة الحرب ضد هؤلاء “البرابرة” على جبهات غزة ولبنان وإيران.

أوحى نتنياهو أنه اتفق مع ترمب على متابعة خطة غزة من دون التنازل عن مطلب نزع سلاح “حماس” وإنهاء دورها، وأنه نال ضوءاً أخضر لشن مزيد من الهجمات في لبنان لفرض نزع سلاح “حزب الله” الذي “لم يلتزم بمهلة نهاية العام” الأميركية، ويواصل الإعلان عن إعادة تسلحه وإعداد نفسه لمحاربة إسرائيل.

وبقدر ما تصاعد الحديث الإسرائيلي عن جولة جديدة ضد “حزب الله”، واكبها بهجمات يومية على عناصره ومواقعه، بقدر ما تراجع الحديث في إسرائيل عن معركة ضد إيران، ليكاد مثل هذا الحديث يختفي في أميركا، إذ اكتفت الإدارة بتحذيرات ترمب العامة من قتل المتظاهرين الإيرانيين، بما يوحي أن المعركة “المتاحة” في الظروف القائمة هي أقرب ما تكون في لبنان، وضد التنظيم الذي ترعاه إيران بنفسها وليس ضد النظام الإيراني.

أسباب تراجع الحديث عن استئناف الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضد إيران لا تكمن في تغيير جوهري أصاب الاستراتيجية الإسرائيلية أو السياسة الأميركية، وإنما تعود إلى التطورات الداخلية التي تشهدها إيران منذ أسبوعين، والتظاهرات المتصاعدة ضد نظام “الاستبداد الديني – الرأسمالي” كما جاء في توصيف حزب “توده” المغضوب عليه من الشاه، والذي أنهاه تسلط الخميني وأتباعه. تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على الانتفاضة الإيرانية الحاصلة، باعتبارها قد تكون مدخلاً إلى تليين موقف النظام في الحد الأدنى، أو إسقاطه في الحد الأقصى. وفي الحسابات التي تجريها إسرائيل أن الاحتجاجات التي تشهدها المدن الإيرانية، والتي تمتزج فيها المطالب الاقتصادية بالشعارات السياسية القصوى، يمكن أن تنتج تحولات لم تتمكن انتفاضات سابقة من تحقيقها، وفي مقارنات تجريها تعتقد أن الانتفاضات السابقة بين عامي 2009 و2022 كانت بمثابة هزات تمهيدية للزلزال الكبير المنتظر.
لكن ذلك ليس السبب الوحيد للتريث الإسرائيلي والأميركي في شن هجوم جديد ضد إيران. فالطرفان يعتقدان أن انخراطهما الآن في المعركة سيخدم نظام طهران الذي سارع مسبقاً إلى اتهامهما بإدارة المتظاهرين ودفعهم إلى أعمال التخريب. ولم يتردد المرشد علي خامنئي في تبني هذا الخطاب، إذ رأى أن “مثيري الشغب يريدون إرضاء الرئيس الأميركي”، فيما اعتبر مستشاره البارز علي لاريجاني أن “إيران الآن في خضم حرب، ولا سلام ولا وقف لإطلاق النار… وإسرائيل هي المسؤولة عن الوضع الحالي”.

وزير الخارجية عباس عراقجي اختار بيروت موقعاً لتجديد دعم الحزب “الحليف”، على رغم الكلام الانتقادي الذي سمعه من المسؤولين اللبنانيين وتأكيدهم التزام تنفيذ القرارات والاتفاقات الدولية الخاصة بحصرية السلاح، وليعلن موقفاً مماثلاً يتهم أميركا وإسرائيل بإدارة الاحتجاجات، ردت عليه الخارجية الأميركية معتبرة كلامه محاولة متوهمة لتغطية التحديات الجسيمة التي يواجهها النظام”.

تراقب تل أبيب وواشنطن التطورات الإيرانية بدقة. ترمب الرئيس الـ47 للولايات المتحدة تغريه فكرة الإطاحة بالنظام الخميني في عامه الـ47، لكن “حالياً ليس لإسرائيل أو للولايات المتحدة مصلحة حقيقية في مهاجمة إيران، باستثناء حقيقة واحدة وهي أن طهران شبه مكشوفة جواً بعد تدمير منظومات الدفاع الجوي، في معظمها، وهذا يشكل إغراء عسكرياً لكنه لن يحقق إنجازاً كبيراً يتجاوز ما تحقق فعلاً” خلال حرب يونيو (حزيران) الماضي، كما كتبت صحيفة “يديعوت” الإسرائيلية بعد أيام من عودة نتنياهو من محادثاته الأميركية. وتحسب إسرائيل وأميركا أيضاً أنه من دون بروز انشقاقات في الأجهزة الأمنية فلا ضرورة للاستعجال. وفي نظرهما أن الشاه سقط عندما تخلى عنه الجيش، أما الآن فهناك جيوش تحمي النظام موزعة على الجيش الرسمي والحرس الثوري والباسيج، وكلها تسهم في الدفاع عن نظام وفر لها امتيازات هائلة.

في سياق المعادلة القائمة، يرجح أن يكتفي الإسرائيليون والأميركيون بتشجيع الإيرانيين على مواصلة انتفاضتهم، فإذا لم تصل هذه الانتفاضة إلى إحداث تغيير في النظام، فهي قد تدفعه، كما يأمل الأميركيون، للعودة إلى مفاوضات يقبل في سياقها بالشروط الأميركية الثلاثة، إنهاء المشروع النووي وضبط المشروع الصاروخي ووقف دعم وتنظيم الميليشيات التابعة في الإقليم .

لكن سياسة الانتظار وتشجيع الإيرانيين على مواصلة انتفاضتهم لا يبدو أنها تسري في لبنان. صحيح أن هناك أحاديث عن طلب أميركي لإعطاء السلطات اللبنانية مزيداً من الوقت لتنفيذ قرارها حصر السلاح وإنهاء وجود الميليشيات، إلا أن الحديث لم يتوقف عن ضوء أخضر قدمه ترمب لنتنياهو بما يسمح له بشن عملية واسعة في لبنان تجهز على محاولات “حزب الله” الإبقاء على تنظيمه المسلح. وفي الظروف الراهنة، لا يستبعد أن ترجئ إسرائيل خططها في شأن إيران لتوجه نيرانها نحو لبنان، فـ”حزب الله” يبقى بالنسبة إليها المتراس الإيراني الأمامي دفاعاً عن نظام طهران أو تنفيذاً لهجمات تصب في مصلحته. بالتالي فإن احتمالات تحويل “سياسة الاصطياد” الإسرائيلية اليومية في لبنان ضد عناصر ومواقع “حزب الله” إلى معركة شاملة لا تبدو مستبعدة، خصوصاً مع استمرار الحزب في إعلان رفضه خطط الدولة للسيطرة على قرار السلم والحرب، وفي توجيه التحية لـ”قادته” داخل إيران الذين يرجمون على يد مواطنيهم.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى