أهم الأخبارمقالات

الدولار والريال والنظام… “عقب أخیل” الإيراني

لا حياة لنظام الملالي من دون المشروع الإقليمي، مشروع ولاية الفقيه المحتاج إلى عمل مسلح في لبنان وسوريا والعراق وغزة وصنعاء

 

رفيق خوري

الدرس لا يزال مكتوباً على الجدار: الجبار الدولي السوفياتي انهار من الداخل تحت الأحمال الاقتصادية الثقيلة، وليس أمراً قليل الدلالات أن يكون الاقتصاد وانهيار العملة أمام الدولار “عقب أخيل” في بلدين نفطيين ثوريين هما فنزويلا وإيران.

عام 1980 قال الإمام الخميني لمجموعة من أساتذة الجامعات “لم نبذل كثيراً من الدماء لأسباب اقتصادية، وهذه الثورة ليست من أجل سعر البطيخ، ولا يهتم بالاقتصاد إلا الحمير”.

بعد أعوام طويلة من قول خليفته علي خامنئي إن “اليد العليا في متغيرات المنطقة هي للجمهورية الإسلامية ونحن نفوذ العالم في مواجهة أميركا، وهذا فجر قنبلة أقوى بمئات المرات من قبيلة هيروشيما” اضطر المرشد الأعلى إلى الاعتراف بأن “الاقتصاد هو نقطة الضعف”.

عام 2023 قال وزير الاقتصاد عبدالناصر همتي الذي أقاله مجلس الشورى ثم أعيد تعيينه أخيراً حاكماً للمصرف المركزي بعد الانهيار الهائل للريال: “خلال الأعوام السبعة الماضية زاد عدد الفقراء في إيران 10 ملايين”.

واليوم يقول الرئيس مسعود بزشكيان إنه “لا يجب أن نلوم أميركا والآخرين، فالمشكلة عندنا ونحن مقصرون، ولا حل إلا بالتفاوض مع أميرکا لرفع العقوبات لكن ترمب يضع يديه على أعناقنا”، ولا مجال لتغطية الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية بخطاب “الاقتدار” العسكري، ولا اقتصاد يصمد حين يدار بأيديولوجيا جامدة وفساد متحرك.

في إيران كثير من الصواريخ وقليل من الخبز والزبدة على موائد العائلات في الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى. إنفاق كبير على البرنامج النووي والأذرع الأيديولوجية المسلحة في “المقاومة الإسلامية”، وإنفاق محدود على البرامج الاجتماعية، رهان على مواجهة أميركا وإخراجها من غرب آسيا، وعجز عن إدارة الاقتصاد والعملة، حيث على المواطن حمل مليون ونصف مليون ريال ليحصل على دولار واحد.

واللافت هو بدء الاحتجاجات بإضراب التجار في طهران قبل أن تتوسع التظاهرات الشعبية في مدن عدة، فمراكز القوة في إيران هي في مثلث الثكنة، الجامع، والبازار.

وإذا كان الرئيس بزشكيان قد سارع إلى الاعتراف بأن المضربين على حق، ثم حاورهم وطلب إيجاد حل، فإن القمع طاول كالعادة المتظاهرين الآخرين، بحيث سقط قتلى وجرحى، وأسوأ ما يحدث هو تنفيذ الرئيس دونالد ترمب تهديده بتوجيه ضربة إلى إيران التي تقمع وتقتل المدنيين، لأن التأييد الأميركي للمتظاهرين يضعف موقفهم الوطني، ويعطي السلطة حجة في القمع والادعاء أن المحتجين عملاء “الشيطان الأكبر”.

أما التهديد الكبير للنظام، فإنه “يأتي من الداخل حيث الفقر وغضب الناس وشعار: انسوا غزة ولبنان وفكروا في إيران، إنهم يكذبون بالقول عدونا أمیرکا، عدونا هنا” كما يقول المتخصص الأميركي من أصل إیراني في کارنيغي کریم سادجادبور.

ذلك أن إيران انتقلت من حكم إمبراطور بلا إمبراطورية هو الشاهنشاه “أي ملك الملوك” إلى حكم إمام يعمل على إقامة إمبراطورية، كيف؟ من خلال تكليف الحرس الثوري بنص دستوري “نشر الثورة”.

فصحيفة “كيهان” المقربة من المرشد الأعلى ترى أن “أعظم إنجاز لثورة الإمام الخميني الإسلامية هو جبهة المقاومة بقيادة إيران، وإنشاؤها والحفاظ عليها يشكلان الاستثمار الأفضل الذي حققته الجمهورية الإسلامية”.

قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الجنرال إسماعیل قاآني يؤكد أن “محور المقاومة بقيادة إیران سیستمر بالعمل في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين حتى ظهور الإمام الغائب وتشكيل حكومته العالمية”.

أما الجنرال علي غلام رشيد فإنه كان يتحدث بلغة الواقع، قائلاً: “أنشأنا سبعة جيوش خارج حدودنا تدافع عنا”.

لكن طهران تلعب اليوم بقواعد لعبة لم تعد قائمة، ومن الوهم استمرار المكابرة حیال ما يحدث في غزة ولبنان وسوريا وإیران نفسها، والوهم الأكبر هو إعادة تسلیح “حماس” في غزة و”حزب الله” في لبنان و”فلول النظام” في سوريا والحفاظ على “الحشد الشعبي” في العراق و”الحوثي” في صنعاء، والرهان على أن يتحدى هؤلاء التحولات الهائلة التي حدثت في اتجاه سلام أميركي في الشرق الأوسط على حساب المشروع الإقليمي الإيراني المنحسر وربما على حساب نظام الملالي في طهران.

فلا إیران تستطيع حماية أذرعها، ولا هذه باتت قادرة على حماية إيران الرافضة للتخلي عن الأذرع المهشمة المرتبطة بالحرس الثوري.

لماذا؟ لأنه لا حياة لنظام الملالي من دون المشروع الإقليمي، مشروع ولاية الفقيه، المحتاج إلى عمل مسلح في لبنان وسوريا والعراق وغزة وصنعاء، ولا شيء يوحي أن طهران مستعدة للتخلي حتى عن الفكرة، ولا أن “التساكن” سهل بين المشروع الأميركي والنظام الإيراني.

ولبنان عالق في هذه الورطة، لا “حزب الله” يسلم السلاح للجيش بالتفاهم تنفيذاً لقرار حصرية السلاح في مجلس الوزراء، ولا الدولة مستعدة لسحب السلاح بالقوة، أما إقدام إسرائیل بضوء أخضر أميركي على ما تسميه “إكمال المهمة” بتدمير ما بقي لـ”حزب الله” من أسلحة وبنية تحتية عسكرية وغير عسكرية، فإنه يؤدي إلى تعميق الورطة اللبنانية.

والوقائع ستكشف عن إن كان ما ينطبق على إيران هو التعبير الصيني القائل: “قوي من الخارج هش من الداخل”.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى