
مفاوضات عُمان تنطلق بين طهران وواشنطن وسط خلافات حادة حول جدول الأعمال
بدأت إيران والولايات المتحدة، اليوم الجمعة، جولة مفاوضات وُصفت بالحساسة في العاصمة العُمانية مسقط، في محاولة جديدة لمعالجة الخلافات العميقة المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وسط أجواء إقليمية مشحونة ومخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة.
وتتولى سلطنة عُمان دور الوسيط بين الطرفين، إلا أن تباين المواقف بشأن نطاق المحادثات يهدد بتعقيد المسار الدبلوماسي، إذ تصر طهران على حصر النقاش في الملف النووي، بينما تسعى واشنطن إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة، إضافة إلى ملف الاحتجاجات الداخلية.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء الماضي، إن بلاده ترغب في أن تتناول المحادثات مجمل القضايا الخلافية، وليس الملف النووي فقط، في حين تؤكد إيران أن وزير خارجيتها عباس عراقجي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف سيناقشان حصراً القضايا النووية خلال لقاءاتهما في مسقط.
ويشارك في المحادثات أيضاً جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، الذي سبق أن لعب دوراً في الوساطة خلال محادثات وقف إطلاق النار في غزة.
وقبيل انطلاق المفاوضات، كتب عراقجي عبر منصة “إكس” أن إيران تدخل المسار الدبلوماسي “بعيون مفتوحة وذاكرة واعية لما جرى خلال عام 2025″، مؤكداً استعداد بلاده للانخراط بحسن نية مع التمسك بحقوقها وضرورة التزام الأطراف الأخرى بتعهداتها.
ونقل مصدر إيراني عن وكالة “رويترز” أن المفاوضات لم تبدأ رسمياً بعد، مشيراً إلى أن طهران أوصلت مطالبها إلى الجانب الأميركي عبر الوسيط العُماني، على أن تبدأ المحادثات غير المباشرة لاحقاً بعد اجتماع مرتقب بين ويتكوف ووزير الخارجية العُماني.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظل قلق متزايد داخل القيادة الإيرانية من احتمال تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بتوجيه ضربات عسكرية، خاصة بعد تعزيز الوجود البحري الأميركي قرب إيران. وكانت الولايات المتحدة قد شنت، في يونيو/حزيران 2025، ضربات على أهداف نووية إيرانية، عقب انضمامها إلى حملة قصف إسرائيلية استمرت 12 يوماً.
وفيما تقول طهران إنها أوقفت تخصيب اليورانيوم منذ تلك الضربات، زادت التوترات بين البلدين بعد حملة قمع نفذتها السلطات الإيرانية ضد احتجاجات اندلعت في يناير/كانون الثاني الماضي، وهو ما أعقبه تعزيز عسكري أميركي وصفه ترمب بـ”الأسطول الضخم”.
وحذر الرئيس الأميركي من أن “أموراً سيئة” قد تحدث في حال فشل التوصل إلى اتفاق، بينما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن لدى الرئيس خيارات أخرى إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى لأقوى جيش في العالم.
في المقابل، شددت إيران على أنها سترد بقوة على أي هجوم عسكري، مستندة إلى امتلاكها أحد أكبر مخزونات الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، التي تعتبرها خطاً أحمر وترفض إدراجها ضمن أي مفاوضات.
وقبيل ساعات من انطلاق المحادثات، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني نشر صاروخ “خرمشهر 4″، أحد أكثر الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تطوراً، في مجمعات صاروخية تابعة للحرس الثوري تحت الأرض، في رسالة وُصفت بأنها تحدٍ واضح.
ورغم ذلك، أفاد مسؤولون إيرانيون بأن طهران أبدت استعداداً لإظهار مرونة في ملف تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب وقبول عدم التخصيب في إطار اتفاق شراكة محتمل.
وتؤكد إيران أن حقها في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض، وتطالب برفع العقوبات التي أُعيد فرضها عام 2018 عقب انسحاب ترمب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، بينما تتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وإسرائيل طهران باستخدام برنامجها النووي كغطاء لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه إيران مؤكدة أن برنامجها ذو طابع سلمي.
وفي الوقت نفسه، ترى إسرائيل أن الصواريخ الإيرانية لا تقل خطورة عن البرنامج النووي، وسبق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن وصف مساعي إيران النووية وترسانتها الصاروخية بـ”التهديد الوجودي”.
ويأتي هذا كله في وقت تراجع فيه النفوذ الإقليمي لطهران، عقب الضربات التي تلقاها حلفاؤها في المنطقة ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، منذ اندلاع الحرب في غزة والتطورات الأخيرة في سوريا.



