
مجاميع الوجاهة الافتراضية: كيف تحاول فئة لم نر ولم نسمع لها إنجازاً واحداً، تحويل القضية الأحوازية إلى مجالس وهمية في المنفى؟
كمال الكناني
بينما تمر القضية الأحوازية بمنعطفات ومطبات بالغة التعقيد تتطلب أعلى درجات العمل المؤسساتي والخطاب السياسي الناضج لمخاطبة المجتمع الدولي، تفاجأنا بفصل جديد من فصول العبث؛ ولادة ظاهرة بدائية تبنتها مجموعة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، تحت مسمى “مجلس القبائل الأحوازية في المنفى”. والأدهى والأخطر من هذا المخاض المشوه هو محاولة هذه الفئة تدشين نفسها عبر المتاجرة بيوم الشهيد الأحوازي، والدعوة لحشد أبناء الشعب تحت رايات عشائرية فرعية في محاولة بائسة لاختزال قضية شعب كامل في أطر قبلية ضيقة، وهو المشروع الذي قوبل برفض قاطع وإدانة شاملة من كافة فئات الشعب الأحوازي دون استثناء.
إنها سابقة خطيرة وتراجع مخيف أن تحاول هذه المجموعة اختطاف أقدس مناسباتنا الوطنية لتستبدل الأطر السياسية والجهود الحقوقية بـ “روابط الدم والقرابة” في عواصم الحداثة الأوروبية، وكأنهم يريدون إقناع العالم بعدالة قضيتنا عبر استنساخ أدوات ما قبل الدولة، وتحويل دماء الأحرار إلى أوراق اعتماد لـ “مشيخات افتراضية” تبحث عن وجاهة مزيفة لا تمثل إطلاقاً حقيقة النسيج الاجتماعي والسياسي للأحواز، ولا تعبر إلا عن أصحابها فقط.
اختطاف “يوم الشهيد”.. خصخصة الدم وتهميش مكونات الشعب
عندما يتجرأ كيان قبلي محدود على تبني إحياء “يوم الشهيد الأحوازي”، فإنه لا يحيي مناسبة وطنية، بل يرتكب خطيئة كبرى وعملية سطو علني على الذاكرة الجمعية للشعب الأحوازي، محاولاً تحويل قضية شعب إلى مجرد ملف عشائري، وهو ما واجهته الحركة الوطنية الأحوازية بصد وطني حازم.
الشهيد فداء لنفسه وقضيته وللشعب لا للقبيلة
الشهيد الأحوازي لم يطلق رصاصته ولم يعتلِ مشنقته دفاعاً عن راية قبيلة أو لإعلاء شأن عشيرة؛ لقد استشهد من أجل تراب الأحواز كاملاً، ومن أجل علم وخارطة وقضية شعب يرزح تحت الاحتلال.
إقصاء الهوية المدنية للأحوازيين
إن محاولة هذه القلة تحويل القضية إلى “مجالس قبلية” هو إلغاء متعمد لهوية ملايين الأحوازيين من أبناء الحواضر والمدن، والمثقفين، والأكاديميين، والشباب، والنساء الذين لا يجدون أنفسهم في هذه الأطر التقليدية، ويعتبره الشعب الأحوازي عملاً يصب في خانة الاحتلال وحجر عثرة أمام النشاط السياسي الحيوي في الساحة الأحوازية. وعلى هذه الفئة التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أن تدرك أن الأحواز قضية شعب متكامل بكل مكوناته الحديثة، وليست ائتلافاً لعشائر في المنفى.
وفي الوقت الذي يراقب فيه المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية نضال الشعوب، تأتي هذه الفئة المعزولة لتقدم له “يوم الشهيد” في قالب عشائري بدائي. العالم الغربي لن يستمع لـ “مجلس قبائل”، بل سيراها ظاهرة تقليدية لا تمتلك أدوات الدولة الحديثة، مما يخدم الرواية الإيرانية التي تحاول تصوير القضية كنزاع بدائي ومطالب محلية، وليس كقضية شعب يناضل لاستعادة سيادته الوطنية وإنهاء الاحتلال الإيراني الأجنبي، ولهذا السبب أجمعت القوى الأحوازية الوطنية على رفض هذه المشاريع الطفيلية التي لا يمكن لها أن ترى النور على ساحتنا الوطنية.
إن بروز هذه الظاهرة الشاذة واستغلالها للمناسبات الوطنية يحمل في طياته مخاطر قاتلة تعصف بما تبقى من تلاحم في ساحتنا الوطنية في المنفى، وهو الأمر الذي استدعى تحذيراً سياسياً شاملاً وإدانة واسعة من كافة المؤسسات والتنظيمات الأحوازية. وتتجلى أولى هذه المخاطر في تفتيت الهوية الوطنية واحتكارها؛ فبدلاً من تجمع الأحوازيين كشعب واحد، يفتح هذا المجلس الباب لتنافس قبلي مقيت يقصي بقية المكونات المدنية والسياسية، وينقل أمراض الحساسيات العشائرية إلى عمق العواصم الغربية، وهو ما يواجه اليوم برفض قاطع من كافة الأطر الشعبية التي تؤكد على وحدة الهوية فوق أي اعتبار.
كما يمثل هذا المشروع نسفاً كاملاً للعمل المؤسساتي وطعنة في ظهر العقود الطويلة التي قضاها المناضلون في بناء تنظيمات سياسية ومراكز حقوقية؛ إذ تحاول هذه الفئة القول ضمنياً بأنه لا قيمة للفكر، أو الكفاءة، أو العمل الحقوقي، وأن القرابة والدم هي المعيار البديل، وهو ما دفع كافة المؤسسات الثقافية والحقوقية لإدانته بشدة والتمسك بالعمل المؤسساتي الحديث. والأخطر من ذلك كله هو فتح الباب أمام التبعية والاختراق السياسي؛ فالكيانات القبلية المصطنعة في الغربة تكون عادة لقمة سائغة للاختراق، إذ يسهل على أجهزة الاستخبارات المعادية توجيهها والتحكم بها عبر اللعب على أوتار الخلافات العائلية القديمة والإرث العشائري، ولهذا أطلقت التنظيمات الأحوازية تحذيراً حاسماً لقطع الطريق على أي مساس بالأمن القومي الأحوازي.
كلمة أخيرة
إن قضيتنا الوطنية ليست “مضافة” أو “ديوانية” في أحد أحياء أوروبا يُدعى لها على أساس النسب، ودماء شهدائنا ليست بضاعة تُعرض في مزادات الوجاهة الافتراضية. النضال الأحوازي اليوم بحاجة إلى حقوقيين يتقنون القانون الدولي، وسياسيين يفككون المعادلات الإقليمية، وإعلاميين يخترقون وسائل الإعلام العالمية، وليس إلى “مجالس منافٍ” تعزل نفسها عن الإجماع الأحوازي وتزيد المشهد تشرذماً وتشتيتاً.
خلاصة القول: إن إصرار هذه الفئة الصغيرة على جرّ الساحة الأحوازية في المنفى إلى مستنقع العشائرية السياسية، وتحويلها إلى مجالس قبلية لا ينسجم مع قيم وأخلاق وطموحات الشعب العربي الأحوازي؛ إذ اعتبره الجميع فعلاً تخريبياً بامتياز، ولهذا قوبل برفض تام من كافة الأطر الوطنية. ومن هنا، على القائمين على هذا العمل التخريبي أن يدركوا أن صناعة المستقبل لا تتم بأدوات الماضي، وأن محاولة اختزال قضية شعب أحوازي موحد في وجاهات عشائرية مجزأة هي تجارة خاسرة لن يرحمها التاريخ.



