أهم الأخبارمقالات

كوابح وحوافز في التفاوض والحرب

مشكلة ترمب ليست فقط أن يفشل في الحرب على إيران بل أيضاً أن ينجح

 

رفيق خوري

حرب المفاوضات مستمرة بين أميركا وإيران بوساطة سلطنة عمان. ومن المبكر، حتى بالنسبة إلى المفاوضين في جنيف، قبل المراقبين والمحللين المستعجلين، الحكم على ما يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات غير المباشرة والمباشرة معاً.

وآخر ما يفيد في التصور هو العناوين المختصرة والتصريحات الصادرة عمن داخل القاعة ومن هو خارجها. فالثابت في المشهد هو تعاظم الاستعدادات العسكرية لحرب يقول كل طرف إنه لا يريدها، لكنه مستعد لها. والمتغير هو الخطوط الحمر التي رسمها كل طرف ويعلن أنه متمسك بها، إن كان الهدف الحقيقي هو التوصل إلى صفقة تفرض القيام بتنازلات للوصول إلى حل وسط. وإذا كانت حسابات الحرب معقدة، فإن حسابات التفاوض ليست أقل تعقيداً. وكما في الحرب كذلك في التفاوض، شيء من الكوابح والضوابط وشيء من الحوافز والجوائز.

كوابح الحرب في أميركا توازن الحوافز التي تقود إليها. كوابح الحرب قوية داخل الإدارة وفي صفوف الجنرالات المحذرين من الأخطار على القواعد العسكرية المنتشرة في الشرق الأوسط، كما لدى حلفاء أميركا الذين يرفضون حرباً تورط المنطقة وتضرب الازدهار فيها وتغلق باب المندب على مرور النفط، فضلاً عن اللايقين حول نتائج الحرب.

والحوافز تبدأ من حماسة إسرائيل ولا تنتهي بإنهاء ما يقلق واشنطن في الملف النووي وملف الصواريخ الباليستية وملف الأذرع الإيرانية وزعزعة الاستقرار في المنطقة، وصولاً إلى جائزة إسقاط النظام. وكوابح الحرب داخل إيران تتوقف عند ضرورة الدفاع عن البلد في مواجهة حرب أميركية وإسرائيلية. أما الحوافز والجوائز في الصفقة، فإنها بلا حدود بحسب تصور طهران للصفقة، الحفاظ على الحق في تخصيب اليورانيوم، وتطوير الصواريخ الباليستية ضمن مدى 2000 كيلومتر، والاستمرار في تسليح الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري وتمويلها من أجل الدفاع عن الجمهورية الإسلامية.

لكن كل هذه التصورات تواجه اختبارات صعبة على الأرض، فالمفاوضات تدور حالياً حسب “السيناريو التركي” الذي اقترحه وزير الخارجية حقان فيدان، وهو العمل على مراحل، الملف النووي الآن وبعده ملف الصواريخ الباليستية، ثم ملف الأذرع والنفوذ الإقليمي الإيراني.

طهران أصرت على حصر المفاوضات الحالية بالملف النووي ومسألة رفع العقوبات الأميركية، لكن من الصعب الاكتفاء بإرضاء الرئيس دونالد ترمب عبر ضمانات فتوى المرشد الأعلى بتحريم السلاح النووي، ثم تجاهل بقية مطالبة في الملف النووي نفسه قبل الصواريخ والأذرع، إلا إذا كانت ترى أن واشنطن محكومة بحرب محدودة تخرج منها إيران أقوى.

والأصعب هو أن يقبل ترمب الفصل لا مجرد المرحلية، بين البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع. فالربط جزء من إكمال مشروع “سلام ترمب” للشرق الأوسط الذي لن ينجح من دون ترابط حلقاته في غزة والضفة ولبنان وسوريا والعراق وصنعاء وصولاً إلى طهران، بالتالي من دون التخلص من المشروع الإقليمي الإيراني. والجمهورية الإسلامية تفقد مبرر وجودها إذا تخلت عن “تصدير الثورة” والمشروع الإقليمي ضمن “ولاية الفقيه” وصارت دولة عادية، ولا أحد يصدق أن إيران دفعت المليارات وتحملت أقسى عقوبات وقامت بحروب وصراعات على مدى أربعة عقود من أجل برنامج نووي سلمي، تستطيع الحصول عليه وتطويره بمساعدة الشرعية الدولية. فلا ضمان للنظام في منطقة تحولات إلا بالسلاح النووي الذي يضمن بقاء إسرائيل، بصرف النظر عن الحماية الأميركية لها، ولا أحد يتوقع أن تعلن الجمهورية الإسلامية أنها قوة نووية مثل كوريا الشمالية وباكستان والهند بدل الاكتفاء بأنها صارت دولة “عتبة نووية”.

ولا أحد يصدق أيضاً أن ترمب حشد كل هذه الأصول العسكرية براً وبحراً وجواً في المنطقة لمجرد الضغط على طهران لتقديم تنازلات في التفاوض، فلا حاجة إلى كل ذلك من أجل الضغط. ومن يأتي بكل هذه القوة الفتاكة حتى للضغط محكوم بأن يستخدمها إذا فشلت الضغوط على إيران، التي يسأل الرئيس الأميركي “لماذا لم تستسلم”. وهو لم يكتم القول إن نهاية نظام الملالي هي “أفضل ما يمكن أن يحدث”، لكنه يضع القرار في يده ويترك أميركا والعالم في اللايقين. لا بل يرسل هواة بلا خبرة مثل ستيف ویتكوف وصهره جارید كوشنر للتفاوض مع خبير محنك صاحب تجربة طويلة من أيام التفاوض مع إدارة أوباما، هو وزير الخارجية عباس عراقجي الذي لا يهدأ كأنه “مؤسسة” في رجل تمكن من السيطرة حتى على الإعلام الأميركي، إذ في عصر المعلومات “يربح الحرب من تربح قصته”، كما كان يقول البروفيسور جوزيف ناي.

مشكلة ترمب ليست فقط أن يفشل في الحرب على إيران بل أيضاً أن ينجح. فهو ليس بسمارك الذي هز الستاتيكو، لكنه كان يعرف أين ستقع القطع المتساقطة، إذ لا بديل جاهزاً لديه من النظام في طهران، ولا يعرف ماذا يفعل في حال وقوع البلد والمنطقة في فوضى واضطراب.

كان الرئيس دوایت أيزنهاور يقول إن “صاحب المطرقة يعد أن كل المشكلات مسامير”. وترمب صاحب مطرقة يضرب كل مسمار أمامه، إلى جانب كونه مقاولاً يرى أن كل شيء مال، لكن خامنئي يردد دائماً قصيدة لشاعر فارسي جاء فيها “المسمار كلما دقت المطرقة رأسه ثبت أعمق في مكانه”.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى