أهم الأخبارمقالات

ضرب إيران… خيار إسرائيل الوجودي

في مقابل المساعي الأميركية لإحداث تغيير في النظام من دون انهيار طهران وتفكيكها فإن تل أبيب ترى أن تغيير النظام الحالي يستبطن تهديداً مستقبلياً

 

حسن فحص

وسط أجواء التصعيد والاستنفار المتبادل ورفع مستوى الاستعداد لأي هجوم قد يلجأ إليه أي من الطرفين، كان لافتاً الخبر الذي تداولته وسائل الإعلام نقلاً عن قناة “كان” الإسرائيلية، التي بدورها استندت إلى مصادر دبلوماسية، يتحدث عن استعانة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنقل رسائل طمأنة إلى إيران، بأن إسرائيل لا تنوي القيام بهجوم ضدها، وذلك نتيجة قلق تل أبيب من حصول سوء تقدير في الحسابات الإيرانية يدفعها للقيام بهجوم استباقي على إسرائيل.

التقديرات الإيرانية الأولية تعاملت مع هذه التسريبات أو الإشارات، باعتبارها محاولة إسرائيلية لنسج خديعة جديدة من أجل إيهام طهران بعدم وجود نية لدى تل أبيب القيام بأي عمل عسكري، وأن اللقاء الأخير الذي جمع بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على رغم تمحوره حول تطورات الوضع الإيراني، سواء في ما يتعلق بالأنشطة النووية التي استعدتها طهران حسب رواية نتنياهو، أو البرنامج الصاروخي الذي تحول إلى تهديد وجودي لإسرائيل، وصولاً إلى التحركات والاحتجاجات التي تشهدها المدن الإيرانية، والتي استخدمها ترمب للتغطية على ما حصل من تفاهمات حول الملفين الأساسيين، بإعلانه دعم المتظاهرين وتهديد النظام بالمحاسبة في حال لجأ إلى استخدام العنف والقتل ضدهم.

تل أبيب التي تدرك أن أي هجوم جديد ضد إيران لن يكون بفعالية وتأثير الهجوم الذي قامت به خلال يونيو (حزيران) 2025، وأن اللجوء إلى هذا الخيار مرة أخرى يفتقر إلى عنصر المفاجأة الذي لعب دوراً أساساً في تعميق الجرح الإيراني، وأدخل النظام في حال من عدم التوازن سرعان مع عمل على استيعابها ومنع تحولها إلى انهيار، وأن الخيار لدى القيادة الإسرائيلية هو الحفاظ على أعلى جهوزية واستعداد لشن هجوم جديد بانتظار أن تتوافر الفرصة المناسبة ولحظة المفاجأة التي تساعد على إلحاق أكبر قدر من الضرر بالنظام وتؤدي الهدف المطلوب منها في القضاء عليه.

هل هذه هي نهاية النظام في إيران؟
الأهداف التي وضعتها تل أبيب لهجومها على إيران لم يتحقق منها سوى هدف واحد، وهو ما جر الولايات المتحدة للمشاركة في العملية العسكرية، وهي المرة الأولى بعد 25 عاماً من المحاولات، التي استطاعت فيها تل أبيب جر واشنطن للتجاوب مع رغبتها بتوجيه ضربة مشتركة ضد إيران. في حين أن الهدفين الآخرين، التخلص من القيادة الإيرانية سواء منظومة السلطة أو الحكومة والدولة، وتحويل العمق الإيراني إلى مسرح لعمليات عسكرية دائم من خلال استباحته كما هو حاصل في لبنان وسوريا، من دون أن تكون طهران قادرة على الرد عليه أو منعه، وبحيث لا تكون واشنطن مجبرة على التدخل أو التورط في حال أدت هذه الضربات إلى انهيار النظام والقضاء عليه.

لكن الحسابات الإسرائيلية قد تكون مختلفة عن الأميركية في ما يتعلق بمصير إيران كدولة وجغرافيا، ففي مقابل المساعي الأميركية لإحداث تغيير في النظام من دون انهيار إيران وتفكيكها أو إدخالها في صراعات داخلية، فإن تل أبيب ترى أن تغيير النظام الحالي بنظام جديد يستبطن تهديداً مستقبلياً، وإمكانية العودة إلى دائرة الصراع والمواجهة من جديد، لذلك فإن الهدف الذي تسعى إليه يصوب على إيران كوحدة سيادية وجغرافية تسقط معها جميع احتمالات عودتها لتشكل مصدر تهديد وخطر. بالتالي، يدخل ما تبقى من إيران في فلك النفوذ الإسرائيلي وهيمنته وسيطرته.

ويبدو من نتائج الجولة الأولى من المواجهة بين تل أبيب وطهران، أن الأولى فشلت في الحد من كون إيران تشكل تهديداً وجودياً لها، وأن المعادلة التي انتهت إليها هذه المواجهة فرضت على تل أبيب وقيادتها التعايش “المرفوض” مع معادلة ردع متوازن، نتيجة ما لمسته من فعالية السلاح الصاروخي الإيراني في إلحاق أضرار قاسية وعميقة بمفهوم الهيمنة وتفوق الردع الإسرائيلي، وهي معادلة من الصعب على تل أبيب القبول والتسليم بها. بالتالي إذا كانت هذه المعادلة تعني في الحسابات الإيرانية “عدم الحرب” وليس السلام، فإنها تضع التفوق الإسرائيلي ومشروع السيطرة في الإقليم أمام سؤال المشروعية الداخلية أولاً قبل الدولية، باعتبار أن معادلة الردع المتوازن بينها وإيران تعد أسوأ معادلة أو نتيجة قد تحصل عليها.

قد لا يكون لدى الرئيس الأميركي وإدارته الرغبة في التجاوب مع المخاوف التي حملها نتنياهو معه إلى فلوريدا، ومساعيه للحصول على موافقة أميركية بالمشاركة في ضربة جديدة لإيران للقضاء على ذريعة التهديد الوجودي الجديدة التي يمثلها البرنامج الصاروخي الإيراني، وإجابته بـ”نعم” رداً على سؤال حول إمكانية مشاركة واشنطن بتدمير هذا البرنامج، في حين كانت إجابته حاسمة بضرب إيران في حال أعادت تفعيل برنامجها النووي، مما يكشف عن أن هاجس ترمب الأساس هو الموضوع النووي الذي سبق أن أعلن عن تدميره والقضاء عليه، وأن عودته تعني فشل الضربة التي شكلت إحدى منجزاته التي تفاخر بها، وبخاصة أن أية خطوة نووية إيرانية قد تضع ترمب وقراراته في دائرة السؤال والمشروعية في مرحلة دقيقة هو في حاجة لها قد تؤثر في مسار الانتخابات النصفية المقبلة.

الرئيس الأميركي وإدارته معنيان بالدرجة الأولى بعدم عودة إيران إلى أنشطتها النووية، بالتالي فإن البرنامج الصاروخي لا يشكل أولوية لهما، من دون التخلي عن مساعي فرض معادلة جديدة على إيران في هذا الخصوص، ليس بما هو تهديد وجودي لإسرائيل، بل بما يمكن أن يشكله من تهديد للقواعد الأميركية ومصالح واشنطن الاستراتيجية في المنطقة. والمؤشر إلى ذلك هو الأداء الذي لجأ إليه ترمب في التعامل مع الحوثيين، عندما لجأ إلى إعلان وقف المواجهة والضربات ضدهم، مما اعتبر حينها ترك تل أبيب تواجه الصواريخ اليمنية وحيدة ومن دون غطاء من حليفتها.

وأمام هذه الحقائق، تبرز احتمالية لجوء نتنياهو إلى خيار دقيق ومتهور خلال الوقت نفسه، بأن يعمد إلى فتح مواجهة جديدة مع طهران من دون الحصول على موافقة أو ضوء أخضر أميركي، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار كل المخاوف والهواجس التي لدى دول المنطقة التي تتخوف من أن تتدحرج الأمور إلى مواجهة أوسع وأشمل تتأثر بها كل دول الإقليم وحتى الأوضاع الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.

وخيار المواجهة مع طهران يبدو أنه بات خيار وجودياً أو يحاول نتنياهو تسويقه داخلياً وأميركا بهذا المستوى، وأن الرهان لديه في حال اللجوء إليه هو جر واشنطن للمشاركة لاحقاً به، وبخاصة إذا ما تسبب الرد الإيراني الصاروخي بخسائر كبيرة خارج قدرة تل أبيب على تحملها، مما قد يدفع ترمب إلى اعتبار المواجهة بمثابة “طوفان جديد” أو السابع من أكتوبر (تشرين الأول) آخر يستهدف الوجود الإسرائيلي.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى