
زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن ترسم ملامح نظام إقليمي جديد
ترى طهران أن الزيارة تعكس تعزيز قدرة الرياض على الردع وإدارة التهديدات الإقليمية
كاميليا انتخابي فرد
تعد زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إلى واشنطن لمدة يومين، واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية والاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فهذه الزيارة تتجاوز كونها لقاء رسمياً، وتمثل إعادة تعريف لدور السعودية في النظامين الإقليمي والعالمي الجديدين. فقد أجاب ولي العهد السعودي بهدوء واتزان، في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض على سؤال بشأن هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 على الأراضي الأميركية. وقال إن ما حدث في الـ11 من سبتمبر مؤلم، موضحاً أن أسامة بن لادن استخدم سعوديين لضرب العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنه كان يعلم أن هذا التحالف يضر بالإرهاب والتطرف.
إن هذه الصراحة في الحديث عن أحد أكثر الأيام مرارة في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة، وبأسلوب مباشر ورؤية مستقبلية، لا تعكس فقط التغييرات الفكرية والاجتماعية العميقة في السعودية، بل تظهر أيضاً نظرة القيادة الشابة في الشرق الأوسط إلى قضايا مثل التطرف والإرهاب، والرفاه الاجتماعي، والاستقرار والاقتصاد، وعلاقة المنطقة بالعالم، إلى جانب السياسة والعلاقات الدولية.
على المستوى العالمي، تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن عند تقاطع ثلاثة ملفات كبرى: أمن الطاقة، مستقبل النظام النووي، وهندسة الأمن في الشرق الأوسط. فالاتفاقات النووية السلمية، والحزم الدفاعية الكبيرة، وتصنيف السعودية كشريك مميز وحليف غير عضو في الناتو للولايات المتحدة، إلى جانب دور الرياض في ملفات مثل السودان واليمن، كلها تظهر أن هذه الزيارة جزء من جهد أوسع لإعادة تشكيل إطار جديد للأمن والاقتصاد في العالم بصورة عامة، وخصوصاً في “الحزام الممتد من المتوسط إلى الخليج”. هنا لم تعد السعودية مجرد طرف في معادلة واشنطن، بل أصبحت إحدى ركائز النظام الجديد، وصانعة لقواعد اللعبة في مجالات الطاقة والأمن متعدد الأطراف، والتكنولوجيا المتقدمة، وحتى أنظمة عدم الانتشار النووي.
وبينما كانت الدول العربية والقوى الغربية والشرقية تتابع هذه الزيارة بدقة، كان النظام الإيراني يراقبها أيضاً بحساسية بالغة، فبالنسبة إلى صناع القرار في طهران، لم تكن تداعيات هذه الزيارة مهمة على صعيد الدبلوماسية والأمن والاقتصاد فحسب، بل وضعتها أمام حقيقة أن “الشرق الأوسط الجديد” ليس مجرد شعار سياسي، وأن هذا الشرق الأوسط الجديد يقترب بسرعة، مع عزلة متزايدة لإيران.
سعت طهران خلال العامين الماضيين إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع الرياض لضمان دورها في المعادلات الإقليمية، وقد منحها اتفاق التقارب بين السعودية وإيران الذي وقِّع عام 2023 بوساطة صينية فرصة للاستفادة من سياسة خفض التوتر، كما أن إرسال رسالة خطية من مسعود بزشكيان إلى ولي العهد السعودي قبل ساعات من بدء زيارته الرسمية إلى واشنطن كان مؤشراً على استمرار هذا النهج، ومحاولة من طهران لمنع انتقال الرياض بالكامل إلى محور تعتبره معادياً للنظام الإيراني، ويظهر التأكيد على استمرار الحوار الثنائي حرص طهران على الحفاظ على توازن تخشى فقدانه.
ومع ذلك، ترى الحكومة الإيرانية أن زيارة ولي العهد السعودي قد تكون مؤشراً واضحاً على تغير ميزان القوى في المنطقة. فالصفقات والتفاهمات الأمنية والدفاعية بين السعودية والولايات المتحدة، بما يشبه الاتفاق الأمني بين قطر وأميركا، تجعل من السعودية قوة ردع مباشرة أمام نفوذ إيران في اليمن وسوريا ولبنان، وتثبت هذه الاتفاقات الدور الأميركي كداعم مباشر للرياض، مما يحد من موقع إيران في المعادلات الإقليمية ويضعها أمام تحديات أمنية واستراتيجية كبيرة.
إضافة إلى ذلك، فإن مسار تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، حتى لو كان في إطار “حل الدولتين” وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، يزيد من قلق إيران. ومع وقف إطلاق النار في غزة وعقد مؤتمر السلام في مصر الذي شدد على إقامة دولتين، ترى طهران أن دورها في القضية الفلسطينية يتقلص، وهو ما يضعها في حالة “عزلة دبلوماسية”، ويمنح السعودية فرصة لتصبح قطباً أمنياً واقتصادياً في الخليج، مع تقليص نفوذ إيران في مناطق حساسة.
اقتصادياً، جاءت زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن مصحوبة باتفاقات استثمارية كبرى تصل إلى 600 مليار دولار في مشاريع مشتركة مع الولايات المتحدة، تشمل الطاقة النظيفة والتقنيات الحديثة والصناعات. وهذه الاستثمارات تعزز موقع السعودية في السوق العالمية، وتحد من قدرة إيران على الاستفادة من فرص إقليمية ودولية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي تواجهها طهران، مما يجعل قدرتها على التكيف محدودة.
أمنياً أيضاً، ترى طهران أن الزيارة تعكس تعزيز قدرة السعودية على الردع وإدارة التهديدات الإقليمية. فالصفقات الدفاعية، وزيادة القدرات الصاروخية والدفاعية السعودية، والحصول على طائرات إف-35 المتطورة، كلها إشارات إلى إعادة تعريف دور السعودية في الخليج وشرق المتوسط. كما أن احتمال سقوط نظام الأسد في سوريا، ودعم السعودية للحكومة الانتقالية، إلى جانب تراجع نفوذ “حزب الله” في لبنان، يضع إيران أمام واقع تعتبره مقيداً لنفوذها.
وعلى المدى الطويل، تنظر الحكومة الإيرانية إلى الزيارة التاريخية لولي العهد السعودي إلى واشنطن كجزء من مسار متدرج نحو العزلة، مسار تتبوأ فيه المملكة، بدعم استراتيجيات إقليمية وقوى عالمية، دوراً محورياً في الشرق الأوسط وسوق الطاقة.
وفي النهاية، سيسعى النظام الايراني إلى الحفاظ على تواصله المحدود مع الصين وروسيا واستمرار التفاهم مع السعودية للحد من تأثير هذه التحولات، لكن حتى هذا النهج لن يضمن لها موقعاً ثابتاً في المعادلات الإقليمية، بل سيزيد من أخطار الضغوط النووية والاقتصادية.
إن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، أكثر من أية زيارة دبلوماسية أخرى، تظهر أن النظام الايراني أمام مرحلة حساسة: إما أن يتحرك بمرونة ومراجعة استراتيجية للاستفادة من فرص التعاون الإقليمي، أو يصر على سياساته السابقة ويواجه مزيداً من الأخطار والعزلة وتراجع دوره في المعادلات الإقليمية والعالمية. وتؤكد هذه الزيارة بوضوح مدى أهمية وحيوية تحديد المسار السياسي في إيران، لضمان أمن واقتصاد ورفاه الإيرانيين في السنوات المقبلة.
وفي النهاية، سيسعى النظام الإيراني إلى الحفاظ على تواصله المحدود مع الصين وروسيا واستمرار التفاهم مع السعودية للحد من تأثير هذه التحولات، لكن حتى هذا النهج لن يضمن له موقعاً ثابتاً في المعادلات الإقليمية، بل سيزيد من أخطار الضغوط النووية والاقتصادية.
إن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، أكثر من أية زيارة دبلوماسية أخرى، تظهر أن النظام الإيراني أمام مرحلة حساسة: إما أن يتحرك بمرونة ومراجعة استراتيجية للاستفادة من فرص التعاون الإقليمي، أو يصر على سياساته السابقة ويواجه مزيداً من الأخطار والعزلة وتراجع دوره في المعادلات الإقليمية والعالمية. وتؤكد هذه الزيارة بوضوح مدى أهمية وحيوية تحديد المسار السياسي في إيران، لضمان أمن واقتصاد ورفاه الإيرانيين في السنوات المقبلة.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”



