
دول الخليج تفكك شبكات الحرس الثوري وحزب الله: ضربات أمنية متتالية في زمن الحرب
في غضون أسابيع قليلة، وفي مشهد استثنائي يعكس عمق الاضطراب الأمني الإقليمي، أعلنت أربع دول خليجية كبرى وهي الإمارات والكويت والبحرين وقطر عن تفكيك خلايا متعددة مرتبطة بمليشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، في عمليات أمنية متلاحقة باتت تشكل في مجموعها منظومة تحذير إقليمي من الاختراق الإيراني في قلب دول الخليج، وذلك في ظل ما بات يعرف بـ”حرب إيران” المتصاعدة.
قطر : خليتان للتجسس والتخريب
كانت الدوحة أولى المطلقين للصفارة، إذ أعلنت وكالة الأنباء القطرية الرسمية في الثالث من مارس 2026 عن توقيف خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني واعتقال عشرة أشخاص لم تكشف جنسياتهم.
وبحسب البيان، كانت الخلية الأولى مكلفة بجمع معلومات استخباراتية عن منشآت حيوية وعسكرية داخل الأراضي القطرية، فيما تلقت الخلية الثانية تدريبات متخصصة على استخدام الطائرات المسيرة بهدف تنفيذ عمليات تخريبية.
وأشارت التحقيقات إلى ضبط أجهزة اتصال وبيانات وإحداثيات حساسة بحوزة الموقوفين، فيما أقر المعتقلون بارتباطهم المباشر بالحرس الثوري وتلقيهم تكليفات بمهام التجسس والتخريب.
البحرين: خرائط وصور لاستهداف المنشآت
بعد أيام، في الحادي عشر من مارس، جاء الإعلان البحريني أكثر تفصيلا وأشد وطأة. أعلن المدعي العام البحريني في السادس والعشرين من الشهر نفسه إحالة أربعة عشر متهما في أربع قضايا منفصلة إلى المحكمة الكبرى الجنائية، من بينهم فارون إلى إيران وامرأة واحدة.
وكشفت التحقيقات أن الخلايا كانت تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني، إذ تولت رصد وتصوير منشآت وأماكن حيوية داخل المملكة، ثم أرسلت الصور والإحداثيات إلى الحرس الثوري الذي استخدمها فعليا في تنفيذ ضرباته، مما يعني أن الاختراق لم يبق في طور التخطيط بل تحول إلى تواطؤ عملياتي مباشر في استهداف البلاد.
وأوضح المدعي العام البحريني أن التهم تشمل السعي والتخابر مع الحرس الثوري بقصد القيام بأعمال حربية وعدائية، وتقديم العون لنشاطه العدائي، وتلقي تمويلات لدعم عمليات إرهابية، فضلا عن نشر شائعات لإثارة الذعر وتمجيد العدوان الإيراني على المملكة. وقد أقر عدد من المتهمين تفصيليا بما نسب إليهم خلال جلسات استجواب موسعة.
الكويت: مخطط الاغتيالات والطائرات المسيرة
وفي الثامن عشر من مارس، أطلقت الكويت إعلانها الأول عن تفكيك خلية من ستة أشخاص خمسة منهم مواطنون كويتيون وسادسهم سحبت منه الجنسية، وذلك بعد عمليات مراقبة مضنية ودقيقة.
وكشفت الوزارة عن تحديد هوية أربعة عشر مشتبها آخرين في الخارج، من بينهم كويتيون ولبنانيون وإيرانيون.
لكن الضربة الأكبر جاءت بعد أيام قليلة، حين أعلن جهاز أمن الدولة الكويتي في الخامس والعشرين من الشهر تفكيك شبكة أشمل مكونة من واحد وعشرين عنصرا مرتبطا بحزب الله، كانت تعد لتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف قيادات الدولة ورموزها، إضافة إلى خلية موازية من ستة عشر شخصا بينهم أربعة عشر كويتيا ولبنانيان، عثرت بحوزتهم الأجهزة الأمنية على أسلحة مخصصة للاغتيال وطائرات مسيرة، في مؤشر صارخ على تطور الأدوات والأساليب التي باتت تعتمدها هذه الشبكات.
وأكد المتهمون الموقوفون تلقيهم تدريبات عسكرية متقدمة خارج الكويت، واستعدادهم للتنفيذ بمجرد صدور الأوامر، في ما وصفه مراقبون بأنه نموذج “الخلية النائمة” الجاهزة للتفعيل عند الحاجة.
الإمارات: الاختراق عبر الاقتصاد
وفي العشرين من مارس، جاء الإعلان الإماراتي بنكهة مغايرة، إذ أعلنت وكالة أنباء الإمارات تفكيك شبكة إرهابية ممولة من إيران وحزب الله، إلا أن هذه الشبكة لم تكن تعمل بالسلاح المباشر، بل اتخذت من الغطاء التجاري ستارا لتنفيذ عمليات غسل أموال وتمويل إرهاب، بهدف اختراق المنظومة الاقتصادية للدولة والإضرار باستقرارها المالي.
ولم تفصح السلطات الإماراتية عن أعداد المعتقلين أو جنسياتهم، غير أن ردود الفعل الإقليمية جاءت سريعة؛ إذ بادرت الخارجية اللبنانية إلى إدانة ما وصفته بـ”المؤامرة الإرهابية” وعرضت التعاون مع أبوظبي، فيما سارع حزب الله إلى نفي أي وجود أو نشاط له داخل الأراضي الإماراتية.
مواجهة الاختراق الإيراني
يجمع المراقبون على أن التزامن اللافت بين هذه الإعلانات الأربعة في غضون أسابيع ثلاثة لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الإقليمي المتأزم، فوفق تحليل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أحبطت سبعة عشر مخططا مرتبطا بطهران خلال السنوات الخمس الماضية في مناطق متفرقة من العالم، من أذربيجان وبريطانيا إلى الكويت وقطر والإمارات.
وأبرز هذه القضايا قضية علي كوراني، عنصر حزب الله الذي صدر بحقه حكم في نيويورك عام 2019، وأقر بأنه عميل نائم مكلف بجمع معلومات عن أهداف في الولايات المتحدة وكندا، في انتظار أوامر التفعيل عند اندلاع أي مواجهة بين واشنطن وطهران. ويرى خبراء أن النموذج ذاته ينطبق على ما كشف عنه في دول الخليج.
وتبعث دول الخليج الأربع من خلال هذه الإعلانات المتتالية رسالة مزدوجة؛ للداخل بأن أجهزة الأمن يقظة وقادرة على اكتشاف التهديد قبل تفجره، وللخارج بأن أي محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي في ظل الأزمة الإقليمية ستقابل بحسم قانوني وأمني لا تردد فيه.
والأكثر دلالة أن التنسيق الضمني الظاهر في توقيت هذه الإعلانات يشير إلى أن المنظومة الاستخباراتية الخليجية باتت تعمل بتكامل أعمق مما كان معلنا، في مواجهة ما تصفه هذه الدول بالتمدد الإيراني الممنهج في عقر دارها.



