أهم الأخبارمقالات

درب إيران لإعادة بناء قوتها محفوف بالأخطار

خيارات طهران محدودة لكن أفضلها يعتمد على الصين

 

أفشون أوستوفار

عام من الخسائر المتواصلة تركت الاستراتيجية الكبرى لإيران في حال خراب. فالتدمير شبه الكامل لحركة “حماس” داخل غزة، والقضاء على جماعة “حزب الله” اللبنانية المسلحة، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا، جردت إيران من الوكلاء الذين اعتمدت عليهم طويلاً لتهديد إسرائيل. ونتيجة لذلك، تمكنت إسرائيل خلال يونيو (حزيران) الماضي من خوض حربها التي استمرت 12 يوماً ضد إيران من دون أن تعوقها مخاوف من تصعيد إقليمي. لقد نسفت تلك الحرب افتراضاً راسخاً حول الردع الإيراني، وهو أن طهران تستطيع الرد بصورة فعالة على الهجمات المباشرة والعلنية على أراضيها. وبصورة عملية أكثر، دمرت تلك الحرب الدفاعات الجوية الرئيسة للبلاد، وأضعفت قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية، وأعاقت طموحاتها النووية.

من المؤكد أن النظام الإيراني سيحاول استعادة قوته المفقودة. لكن التطورات الإقليمية منذ هجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والموقف العسكري الإسرائيلي الثابت والحازم، جعلا من الأصعب على طهران اتخاذ خطوات يمكن أن تدعم نفوذها، مثل إعادة تسليح “حزب الله”. وإلى أن تتمكن إيران من الدفاع عن أراضيها، قد يكون من المستحيل عليها إعادة ترميم قدرات وكلائها أو الاندفاع نحو الحصول على قنبلة نووية بطريقة لا تعرض نظامها الثيوقراطي لمزيد من خطر الانهيار.

وعلى المدى القريب، من المرجح أن تحاول إيران إعادة بناء دفاعاتها العسكرية من خلال توسيع شراكتها مع الصين. وحتى وقت قريب، كانت بكين تتجنب الانحياز إلى طرف على حساب آخر في الشرق الأوسط. لكن حسابات الصين قد تكون هي الأخرى في طور التغير. فهي قد ترى فرصاً جديدة في مساعدة إيران على استعادة بعض من قوتها المتضائلة، في ظل تصاعد التوترات بين إسرائيل والدول العربية، خصوصاً عقب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادة “حماس” في قطر في أوائل سبتمبر (أيلول) الجاري.

مضمار العوائق
يشكل سقوط نظام الأسد خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والموقف المناهض لإيران الذي تبناه الحكام الجدد في دمشق، عقبة لا تحظى بالاهتمام الكافي أمام قدرة طهران على إعادة بناء استراتيجيتها الإقليمية القائمة على الوكلاء. فعلى مدى عقود، كانت سوريا تزود “حزب الله” بصورة مباشرة بالصواريخ والذخائر، باعتباره جوهرة التاج في شبكة وكلاء إيران، وسمح الأسد لإيران بتهريب الأسلحة إلى لبنان عبر الأراضي السورية. وعلى رغم أن هذه الجهود واجهت مقاومة بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية، إذ بدأت إسرائيل بشن غارات منتظمة على مخازن الأسلحة في سوريا وعلى القوافل التي يسهل عبورها الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، فإن إيران تمكنت مع ذلك من إبقاء “حزب الله” مسلحاً.

وأوضح أحمد الشرع الرئيس الجديد لسوريا أن النفوذ الإيراني لم يعد مرحباً به في بلاده، فقد سعى إلى عقد شراكات مع خصوم إيران ولا سيما تركيا، وحمل الميليشيات المدعومة من إيران مسؤولية تأجيج حال عدم الاستقرار في سوريا، مجادلاً في مقابلة أجريت معه خلال فبراير (شباط) 2025 على التلفزيون الرسمي بأن وكلاء إيران يشكلون تهديداً للشعب السوري و”للمنطقة بأسرها”. ومع ذلك، وعلى رغم بعض النجاحات المبكرة، واجهت حكومة الشرع صعوبة في توحيد البلاد. وقد تتمكن إيران من استغلال الانقسامات الاجتماعية والسياسية الكامنة في سوريا من خلال دعم سري للفصائل الساخطة على النظام الجديد، أو المنفتحة على الإغراءات المالية، تماماً مثلما استغلت الانقسامات في العراق واليمن.

عصر ما بعد إيران في الشرق الأوسط
ويمكن أن تتاح لإيران فرص أكبر للتدخل في السياسة السورية إذا استكمل الجيش الأميركي انسحابه، إذ تمتلك إيران بالفعل علاقات مع بعض الشبكات القبلية السنية السورية، بعدما تعاونت معها سابقاً لنقل الأسلحة إلى الضفة الغربية عبر الأردن. وقد تحاول طهران تحفيز تلك الشبكات على نقل الأسلحة إلى الحدود اللبنانية إذا ما تضاءل نفوذ دمشق في جنوب سوريا.

لكن من دون الوصول إلى شبكات العبور السورية، لن يتبقى أمام إيران سوى وسيلتين لإرسال شحنات أسلحة كبيرة إلى لبنان: جواً أو بحراً. وكلتا الطريقتين يمكن أن تعترضهما إسرائيل بسهولة، كما أن مستوى اختراق الاستخبارات الإسرائيلية للمؤسسة العسكرية الإيرانية يجعل من المستبعد أن تنجح الأسلحة الإيرانية في الوصول إلى لبنان. وبعد هجمات إسرائيل عام 2024 على “حزب الله” أصبح الهيكل القيادي للجماعة في حال فوضى، وتواجه هذه القيادة ضغوطاً هائلة لنزع سلاحها. لذا، قد لا يكون أمامها خيار سوى التراجع أو حتى التخلي عن جهودها العسكرية.

في موقع الدفاع
قد تتمكن إيران في نهاية المطاف من إيجاد وسيلة لإعادة بناء خطوط الإمداد إلى “حزب الله”، لكن الظروف اللازمة لذلك لم تتوافر بعد. هذا يعني أن إيران قد فقدت، وربما بصورة دائمة، الميليشيات الموالية لها التي كانت قوتها تردع إسرائيل من توجيه ضربات نحو الأراضي الإيرانية. أما الحوثيون في اليمن فقد استخدموا الأسلحة الإيرانية بنجاح لاستهداف السفن في البحر الأحمر، لكنهم لم يسهموا في حماية إيران من العدوان الإسرائيلي. كانت صواريخ “حزب الله” تشكل تهديداً مباشراً للمدن الإسرائيلية، في حين أن ترسانة الحوثيين، وكذلك ترسانة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، تشكل تهديداً أبعد وأقل خطورة.

ويمكن لإيران بالطبع أن تتحول عن استراتيجيتها القائمة على الوكلاء وتحاول استعادة قدرتها على الردع من خلال الاندفاع نحو امتلاك سلاح نووي. فعلى رغم الهجمات الإسرائيلية والأميركية على منشآتها النووية خلال يونيو الماضي، تمتلك إيران بالفعل كمية كافية من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع عدة أسلحة نووية، ويعتقد أنها تمتلك المعرفة التقنية اللازمة لتصنيعها. وإذا تمكنت إيران من إصلاح أو إعادة بناء منشآت تخصيب كافية (أو إذا كانت تمتلك مثل هذه المنشآت السرية الجاهزة بالفعل)، فيمكنها تنقية ذلك اليورانيوم إلى درجة تخصيب مناسبة لصناعة الأسلحة بسرعة نسبية، ربما في غضون أسابيع قليلة.

لكن حتى لو أراد قادة إيران المضي قدماً في السعي نحو التسلح النووي، فإن اتخاذ الخطوات اللازمة لذلك سيكون شديد الخطورة على النظام الحاكم. ونظراً إلى التفوق الاستخباراتي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل، فإن أية تحركات نحو زيادة تخصيب اليورانيوم من شأنها أن تنذر خصوم إيران وتطلق العنان لجولة جديدة وأكثر تدميراً من الضربات بقيادة إسرائيل أو الولايات المتحدة أو كليهما معاً. وحتى إذا نجحت إيران في اختبار سلاح نووي وتطوير ترسانة صغيرة من دون منعها، فإن عجزها الحالي عن الدفاع عن أجوائها سيجعل تلك الترسانة عرضة للخطر بصورة كبيرة. بالتالي، فإن تطوير سلاح نووي وحده لا يمكن أن يعيد الردع الإيراني، ومن دون دفاعات تقليدية قوية أو وكلاء قادرين على ردع العدوان الخارجي، قد تتحول الأسلحة النووية ببساطة إلى عبء جديد.

إيران في حاجة ملحة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية

قبل أن تتمكن إيران حتى من البدء في استعادة قدرتها على الردع، ناهيك باسترجاع بعض نفوذها الإقليمي، يجب عليها معالجة أوجه القصور في قدراتها العسكرية التقليدية. لقد وجدت طهران بالفعل طرقاً لفرض كلف على إسرائيل خلال حرب الـ12 يوماً، لا سيما من خلال استهداف المراكز السكانية الإسرائيلية. لكن معدل الاعتراض العالي الذي تتمتع به أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية جعل صواريخ إيران غير كافية للردع، إذ لم تتمكن من تدمير أهداف استراتيجية وعسكرية مهمة أو حتى إصابتها بصورة موثوقة. وبعدما قضت إسرائيل على أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، تمكنت من ضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، مما قلل أكثر من قدرة طهران على شن ضربات مضادة فعالة.

إن اختيار إيران للطريقة التي ستعيد بها بناء ترسانتها سيعتمد على الدروس التي استخلصتها قواتها المسلحة من حرب الـ12 يوماً. لا تزال هناك تفاصيل كثيرة مجهولة حول مدى كفاءة أنظمة الصواريخ الإيرانية المتنوعة أثناء النزاع العسكري، لكن القادة الإيرانيين سيكونون اكتسبوا بلا شك فهماً أوضح في شأن أي من الأنظمة كان أداؤها أفضل والتكتيكات التشغيلية الأكثر فاعلية، حتى لو كانت الضربات الإسرائيلية على إيران دائماً أكثر قوة. وستساعد هذه الدروس الجيش الإيراني على تحديد أفضل السبل لتوجيه جهوده العسكرية. فقد يستثمر، على سبيل المثال، بصورة أكبر في الأسلحة المتطورة المنتجة محلياً مثل الصواريخ الفرط صوتية أو صواريخ أخرى متقدمة (مثل صواريخ فتاح وخرمشهر-4)، إضافة إلى أنظمة أبعد مدى يمكن إطلاقها من شرق إيران، وهو هدف يصعب على إسرائيل ضربه.

وتظل حاجة إيران إلى تعزيز دفاعاتها الجوية أكثر إلحاحاً. ففي يونيو الماضي دمرت إسرائيل الجزء الأكبر من الدفاعات الجوية الإيرانية في وسط البلاد وغربها، بما في ذلك جميع أنظمة صواريخ الأرض-جو الروسية الصنع من طراز “أس 300″، التي كانت الأنظمة الأكثر تقدماً في حوزة إيران. ودمرت إسرائيل عدداً من الطائرات العسكرية الإيرانية. وحتى قبل الحرب، لم تتمكن إيران من نشر قوة جوية يمكنها الدفاع عن أجوائها ضد خصم أقوى، وهي الآن أضعف من السابق.

وفي الواقع، إيران تفتقر إلى القدرة الصناعية لإنتاج المنصات التي تحتاج إليها لتعزيز دفاعاتها الجوية، وسيكون عليها طلب المساعدة من الخارج. وكثيراً ما كانت موسكو أقرب شريك دفاعي لطهران، لكن العلاقة المعقدة لروسيا مع إسرائيل تحد من حجم المساعدات الدفاعية التي كانت على استعداد لتقديمها، كما أن حربها في أوكرانيا قلصت أيضاً من قدرتها على بيع الأسلحة لمشترين خارجيين. فخلال عام 2023، أعلنت إيران عن صفقة لشراء مقاتلات “سوخوي 35” من روسيا. ومع ذلك، لم تسلم روسيا حتى الآن سوى طائرتين فقط من أصل الـ50 مقاتلة المزمعة التي طلبتها طهران. وقد تلتزم موسكو بالصفقة لاحقاً، لكن بالنظر إلى التأخير والقيود على صناعة الدفاع الروسية، قد تختار إيران البحث عن بدائل أخرى.

الملاذ الأخير
هذا يترك الصين كمصدر إيران الأفضل للحصول على معدات عسكرية إضافية. كثيراً ما سعت الصين إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بالشرق الأوسط. فقد ساعدت إيران على التهرب من عقوبات النفط وقدمت لها بعض المساعدات العسكرية المحدودة، مثل المساهمة في تطوير إيران لصواريخ باليستية مضادة للسفن. ومع ذلك، لم تقدم لطهران دعماً كافياً يمنحها تفوقاً واضحاً على جيرانها العرب. وجنت الصين بعض الفوائد من عزلة إيران النسبية، أهمها استغلال العقوبات الغربية لشراء النفط الإيراني بخصم كبير.

لكن لم يعد من الضروري استمرار هذا التوازن من جانب الصين. فخلال مارس (آذار) 2023، بدأت إيران تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، وهي خطوة توسطت فيها الصين وغيرت جذرياً أحد الدوافع السابقة لسياسة بكين في الشرق الأوسط. ومع تزايد التوترات بين بكين وواشنطن، تزداد أيضاً القيمة الاستراتيجية المحتملة لإيران بالنسبة إلى الصين. فقد يكون من المفيد ربط إيران بصورة أوثق بالمصالح الصينية والدعم الصيني، على سبيل المثال، في سيناريو أزمة متعلقة بتايوان، إذ يمكن لبكين أن تشتت تركيز البحرية الأميركية وحلفائها من خلال تحفيز إيران ووكلائها لاستهداف الملاحة البحرية المدنية في البحر الأحمر أو خليج عمان.

ويشكل الدفاع الجوي فجوة أساس يمكن للصين أن تساعد إيران في سدها. فنظام الدفاع الجوي المتنقل الصيني “أتش كيو-9” HQ-9 يشبه منصة “أس 400” الروسية الأكثر تقدماً. وإذا باعت بكين هذا النظام لطهران، فقد يساعد ذلك إيران على استعادة بعض الحماية لأجوائها. ويمكن لإيران أيضاً السعي إلى عقد صفقة مع الصين لتحديث قواتها الجوية، مثل شراء مقاتلات “تشنغدو جيه-10” الصينية، التي ساعدت باكستان على تحقيق أداء قوي في تصعيدها العسكري القصير مع الهند خلال مايو (أيار) الماضي.

على المدى القصير، لا يمكن للدفاع الجوي الأفضل أو لأسطول المقاتلات المحسن أن يغيرا بصورة جذرية ضعف موقع إيران النسبي مقارنة بإسرائيل والولايات المتحدة. لكن على المدى المتوسط، قد تجعل هذه التحسينات أية ضربات لاحقة على إيران أصعب وأكثر كلفة للخصوم، وتثني عن التصعيدات العرضية. وفي الحد الأدنى، قد تمنح إيران بعض الوقت لتجديد مخزونها الصاروخي المنتج محلياً وتحسينه، والاستعداد بصورة أفضل لصراع آخر. كلما بدت الحرب أقل احتمالاً في المستقبل القريب، زادت قدرتها على تحمل الأخطار المباشرة.

ومهما كانت استجابة الصين لمأزق إيران، فإن الأخيرة تمر في ضائقة حقيقية. فقد يختار قادتها الاستمرار والصمود وسط حال من انعدام الأمن، على أمل النجاة من هذه المرحلة من الأزمة من دون تقديم مزيد من التنازلات. أو قد يختارون المسار الأكثر خطورة وهو السعي نحو التسلح النووي. لكن الدعائم التي حافظت على أمن إيران على مدى العقدين الماضيين انهارت، وستظل البلاد عرضة للخطر وغير آمنة بصورة جوهرية إلى أن تعالج أوجه القصور في قدراتها العسكرية التقليدية.

 

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى