أهم الأخبارمقالات

الوجه الآخر في رواية طهران لاحتجاجات شعبها

النظام تعامل مع اللحظة باعتبارها خطراً على فهم المجتمع أكثر من كونها تهديداً أمنياً مباشراً في محاولة لإبقاء السيطرة على معنى الأحداث

 

سالمة الموشي

وفق تحليل منشور في معهد “تشاتام هاوس” (المعهد الملكي للشؤون الدولية)، فإن انقطاع الإنترنت في إيران الذي بدأ في مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري وسط احتجاجات واسعة، يتجاوز كونه مجرد إغلاق وقتي، ويظهر تحولاً استراتيجياً نحو عزلة رقمية شاملة، بخاصة أن الحجب لا يزال سارياً حتى الآن على رغم تصريحات نسبت إلى مسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين أفادت بعودة الخدمة خلال أيام، ولا مؤشرات موثوقة على تحقيق ذلك بصورة كاملة حتى الآن، فما الذي تريد قوله طهران من خلال هذا الإغلاق؟ وما هو الوجه الآخر لروايتها عن الحجب؟

احتجاجات يناير في إيران لم تكُن مجرد احتجاجات اقتصادية عابرة، بل شكلت لحظة فارقة في طريقة إدارة طهران لشرعيتها. فكل تحرك للنظام أصبح محسوباً بدقة، وكل صرخة في الشارع باتت تحمل أبعاداً أخرى تتجاوز الاقتصاد والشرعية التقليدية، ولنطرح السؤال الأكثر أهمية إلى أي مدى يمكن لطهران أن تحافظ على توازنها في مواجهة هذه المعادلة المعقدة؟ فما حدث يتجاوز ثنائية “استقرار” مقابل “فوضى”، وهو بالتالي لا يندرج ضمن الاحتجاجات التقليدية بل يكشف عن تحول في عمق الداخل الإيراني، إذ تبدو طهران في مواجهة حقيقية لإدارة المجتمع وضبط الشارع وتقديم تفسير منطقي لما يحدث.

وهنا يأتي تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اتصاله الهاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، إذ قال “ندرك أن إيران قد تعاني مشكلات اقتصادية نتيجة أعوام من العقوبات الجائرة، إلا أن أعمال الشغب والتمرد لا علاقة لها بهذه الظروف. خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات عقب الأحداث الأخيرة، دعماً للنظام ولقائد الثورة الإسلامية، يعكس الواقع الحقيقي للأوضاع في إيران”.

وفي هذا السياق يصبح الموقف الروسي جزءاً من المشهد نفسه لا تعليقاً خارجياً عليه، وهذا التصريح ليس توصيفاً محايداً، بل يعكس إعادة إنتاج للشرعية عبر منطق الحشد. والرسالة واضحة الشرعية تقاس بالقدرة على التعبير الجماهيري، لا بمستوى الاستجابة الاقتصادية وحسب. وهو مؤشر على أن طهران تعتبر أن الحشد الجماهيري والإجراءات الأمنية وجهان لسياسة واحدة لضمان استمرار الشرعية.

وعلى صعيد إدارة الداخل، لم يعُد قطع الإنترنت التقليدي كافياً. وبحسب مصادر إيرانية فإن “طهران استخدمت أجهزة تشويش عسكرية سرية متطورة لتعطيل خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية ستارلينك” المملوكة لإيلون ماسك. وهذا الإجراء يتجاوز مسألة الاتصال الرقمي، ويشير إلى خوف طهران من فقدان القدرة على توجيه السياق السياسي لها. واستهداف أدوات مصممة لتجاوز الدولة يدل على أن حدودها أصبحت معرفية، وليست جغرافية فقط، إذ إنمس تعطيل “ستارلينك” يوضح تحولاً استراتيجياً يمكن وصفه بأنه حماية قدرة النظام على إدارة فهم المجتمع لما يجري خارجياً وداخلياً، ومن هذا المنظور يمكن قراءة أحداث يناير 2026 على أنها اختبار لقدرة إيران على الانتقال من الإحكام الأمني المطلق إلى إدارة الإدراك العام.

الاحتجاجات لم تكُن مشروع إسقاط، لكنها كشفت عن خلل هيكلي وأمني في العلاقة بين طهران وجموع الشعب وبين طهران والخارج، حيث بصورة ما كشفت أيضاً عن قدرة الأيدي الخارجية على النيل من الداخل بطرق عدة، مما يفسر التركيز على التحكم في المعلومات واحتكار الرواية الحقيقية ومنعها من الانتشار وتفسيرها.

وتصعيد الاعتقالات والانقطاع الرقمي لم يستهدفا إخماد الشارع بقدر ما هدفا إلى إعادة ضبط توازن التفاعل المجتمعي ومنع تحوله إلى خطاب جامع.

وإيران تعاملت مع اللحظة باعتبارها خطراً على فهم المجتمع أكثر من كونها تهديداً أمنياً مباشراً، في محاولة لإبقاء السيطرة على معنى الأحداث. وما يجعل هذه اللحظة مفصلية هو أنها تكشف عن ثوابت الإدارة. طهران استطاعت منع الانفجار، لكنها لم تنتج تفسيراً مقنعاً لما حدث. والحشد المؤيد والدعم الخارجي والتقنيات الأمنية، أدوات فاعلة على المدى القصير، لكنها لا تحل السؤال المركزي، كيف تدار دولة يعيش مجتمعها في زمن مفتوح بينما السلطة تتصرف بعقلية الإغلاق؟ والمستقبل الإيراني لن يحدد بموجة احتجاج أو باستقرار ظاهري، بل بقدرة طهران على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع، وأي فشل في هذا التحول يعني أن كل جولة ضبط جديدة ستنتج استقراراً أمنياً أعلى، لكن بثمن سياسي قاسٍ وتراكمي.

طهران اليوم تواجه انهياراً من نوع مختلف ودخلت مرحلة استنزاف هيكلي بطيء، إذ إنها تبقى قائمة لكن قدرتها على الإقناع لا على القمع هي التي تتراجع. واللحظة الحاسمة ليست سقوط النظام، بل فقدان القدرة على إنتاج معنى آمن يفسر المستقبل القريب، فكل خطوة في طهران هي على الحدود وعلى حافة النصل، وكل قمع يولد احتقاناً جديداً، وكل حشد مؤيد يخفي شكوكاً متكررة. والسيطرة على الشارع ليست السيطرة على اللعبة، بل إن الصراع الحقيقي على من يملك قواعدها. واستمرار إغلاق الإنترنت في إيران اليوم ليس مجرد إجراء أمني موقت. فما يحدث هو اختبار حقيقي لقدرة السلطة على الحكم وهي عمياء رقمياً. والنظام لا يخاف من الشارع بقدر ما يخاف مما قد يراه إذا عاد الاتصال بالكامل، مدى الغضب وحجم الفشل وسقوط أدوات السيطرة.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى