
المثقفون الأحوازيون خلف القضبان.. انتهاكات صارخة للحق في الحياة والمحاكمة العادلة
تتصاعد في الآونة الأخيرة مخاوف دولية وحقوقية جدية بشأن المصير المجهول الذي يحيط بحياة العشرات من المثقفين، الشعراء، الكتاب، والناشطين الثقافيين الأحوازيين داخل سجون الاحتلال الإيراني بالأحواز.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه الفئة النخبوية من المجتمع الأحوازي باتت هدفا مباشرا لحملات قمعية تفتقر لأدنى معايير العدالة، وسط بيئة من التكتم الأمني والغموض القضائي المتعمد.
تهم فضفاضة وقضاء يفتقر للعدالة
ويواجه المثقفون والناشطون العرب في الأحواز، بما في ذلك شعراء ومغنو “راب” وكتاب، قائمة من الاتهامات المعلبة والمبهمة، مثل “العمل ضد الأمن القومي”، “المحاربة”، أو “الدعاية ضد النظام”.
وتصدر المحاكم الثورية في الأحواز، لا سيما الفرعين الثالث والرابع، أحكاما قاسية بشكل روتيني.
وتفتقر هذه المحاكمات إلى أبسط أسس العدالة؛ حيث يتم تقييد وصول المتهمين إلى محامين مستقلين، وتستند الأحكام غالبا إلى اعترافات قسرية تنتزع تحت وطأة التعذيب الشديد داخل غرف التحقيق. ويعد سجنا “شيبان” والهويرة “سيبيدار” في الأحواز من أبرز مراكز الاحتجاز التي تشهد ظروفا لاإنسانية، تتضمن الحبس لفترات طويلة والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية.
سلسلة من الانتهاكات: قصص من داخل السجون
تجسد حالة الشاعرين والناشطين في المجتمع المدني، مصطفى حليجي ورضا حزباوي، مأساة المثقف الأحوازي، إذ قضيا أكثر من ستة أشهر في الحبس الاحتياطي بسجن “شيبان”.
ووفقا لمصادر حقوقية، تعرضا لتعذيب وحشي شمل الشنق والربط من باطن القدمين، مع حرمانهما من الرعاية الصحية الكافية، وقد صدر مؤخرا حكم بحق حليجي بالسجن لمدة 13 عاما في محاكمة تفتقر للشفافية.
وفي سياق متصل، يواجه مغني الراب العربي دانا مطوري (26 عاما) من مدينة عبادان، خطرا حقيقيا بالإعدام. اعتقل مطوري خلال احتجاجات يناير 2026، ومنذ ذلك الحين تمنع السلطات تواصله مع محام، بينما علمت عائلته بصدور حكم الإعدام بحقه عبر مصادر غير رسمية فقط.
كما طالت الاعتقالات مغني الراب عباس دغاغله (رشاش)، الذي اعتقل بسبب أعماله الفنية التي تنتقد التمييز، الفقر، والعنصرية.
إعدامات سرية وقمع ممنهج
شهد شهر أكتوبر 2025 تصعيدا خطيرا بإعدام ستة سجناء سياسيين الأحوازيين سرا في سجن “الهويرة”سبيدار” وهم: (علي مجدم، معين خنفري، محمد رضا مقدم، حبيب داريس، عدنان قبيشاوي، وسالم موسوي).
وكان هؤلاء قد قضوا سنوات في السجن ووجهت إليهم تهم الارتباط بجهات خارجية بعد تعرضهم لتعذيب قسري
.
وقد وصفت 13 منظمة حقوقية هذه الإعدامات بأنها “انتهاك صارخ للحق في الحياة”، ولم يتوقف القمع عند هذا الحد، بل طال الناشطين الذين أعربوا عن تعاطفهم مع عائلات المعدومين، مثل سجاد غرباوي وحسين جلال.
صرخات استغاثة دولية
ما يجري في الأحواز ليس حوادث معزولة، بل منظومة ممنهجة موثقة. تبدأ القصة عادة باعتقال تعسفي يسبقه مراقبة أمنية، ثم حبس احتياطي مطول في ظل انعزال تام عن العالم الخارجي.
و يتلو ذلك التعذيب لانتزاع الاعترافات التي تبث لاحقا على شاشات التلفزيون الرسمي، قبل أن تعقد المحاكم الثورية التابعة للاحتلال — وخاصة الفرعان الثالث والرابع في الأحواز — جلساتها خلف أبواب موصدة، لتصدر أحكاما مشددة دون أن يتمكن المتهمون في الغالب من الاستعانة بمحام مستقل، وكثيرا ما يكون نقل السجين إلى الحبس الانفرادي مؤشرا مبكرا على اقتراب تنفيذ حكم الإعدام.
وتعد هذه الضبابية المتعمدة جزءا لا يتجزأ من آلية الإرهاب النفسي، إذ يراد بها بث الرعب في أوساط المثقفين والناشطين الأحوازيين، وإجبار المجتمع على الصمت خوفا من المجهول.
وتلخص المنظمات الحقوقية، بما فيها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أبرز المخاوف في النقاط التالية:
التعذيب والاعترافات القسرية، ونقص المعلومات حول التهم الدقيقة ومنع التوكيل القانوني وعقد جلسات مغلقة، والاكتظاظ الشديد، انعدام الرعاية الطبية، والضغوط النفسية الممارسة على عائلات السجناء عبر منع الزيارات.
محاربة الهوية العربية
ما يضاعف خطورة المشهد أن المستهدفين من أبناء الشعب الأحوازي، وكثير منهم يتناولون في إبداعهم قضايا مشروعة تتعلق بالهوية الثقافية واللغة العربية والحرمان الاقتصادي الذي تعانيه الأحواز.
ويحول ذلك الفعل الثقافي — الشعر، الأغنية، التعبير الأدبي — إلى تهديد أمني في نظر سلطات الاحتلال الإيراني، ويجعل الإبداع بالعربية ضربا من المغامرة بالحياة.
ولم يصمت المجتمع الدولي تماما.، حذر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء مرارا من خطورة هذه الحالات.
ووثقت منظمات بارزة كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش الانتهاكات بالأسماء والتواريخ والتفاصيل. كما تعرب منظمة القلم الدولية عن قلقها المتصاعد إزاء ملاحقة الكتاب والشعراء.



