
إيران والمفاوضات: أداة قوة أم ضغط؟
تصطف روسيا والصين إلى جانب موقف طهران باعتبار أنه جرى الانتهاء رسمياً من ولاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة
هدى رؤوف
معضلة إيران اليوم هو أن لا مسار يضمن بقاء النظام ويرفع العقوبات سوى المفاوضات، فقد اعتادت أن تكون المفاوضات إحدى أدواتها الدبلوماسية والتي تستخدم فيها أوراق الضغط والمساومة، لكنها هذه المرة تستشعر أن المفاوضات أداة ضغط.
لقد صدر تقريران سريان للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول النووي الإيراني، وكالعادة دعاها التقرير إلى السماح بتفتيش مخزونها من اليورانيوم المخصب والتحقق منه في أسرع وقت ممكن، ويأتي هذا الطلب المتكرر في أعقاب النزاع المستمر بين إيران والوكالة، والذي اشتد بعد حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً ضد إيران في يونيو (حزيران) الماضي، ودخلت طهران بعدها مرحلة الغموض النووي بعد الضربة الأميركية على منشآتها في نطنز وفوردو وأصفهان.
من جهة أخرى تصطف روسيا والصين إلى جانب الموقف الإيراني معتبرتين أنه جرى الانتهاء رسمياً من ولاية الوكالة بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.
وتدور مشكلة الوكالة الدولية مع إيران حالياً حول عدم التعاون من قبلها تماماً، ولا سيما بعد الحرب، كرد فعل عليها من قبل طهران، ومن ثم أصبح مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أهم المسائل العالقة التي تحتاج إلى إجابة، إضافة إلى القضايا الماضية المتعلقة بتوضيح طهران حول بعض الأنشطة النووية في أماكن أخرى جرى اكتشافها منذ أعوام، لذا أكدت الوكالة في تقريرها أنها لم تتمكن من التحقق من حال مخزون اليورانيوم المخصب لدى إيران منذ حرب الـ12 يوماً، وأكد التقرير أن عدم إمكان الوصول إلى هذه المواد النووية لمدة خمسة أشهر قد أخر عملية المراجعة بصورة كبيرة، وقوض معرفة الوكالة بمخزونات المواد النووية السابقة لدى إيران.
ووصفت الوكالة الوضع بأنه مصدر قلق بالغ، محذرة من ضرورة مراجعة مخزونات المواد النووية التي أعلنتها سابقاً على الفور لمعالجة المخاوف حول “احتمال تحويل المواد النووية المعلنة عن الاستخدامات السلمية، ومن ثم أهمية الوصول الفوري إلى مخزونات المواد النووية، وبخاصة اليورانيوم عالي التخصيب، وحثت إيران على استئناف أنشطة الضمانات بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، ويؤكد التقرير أن الوكالة لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى المنشآت النووية التي لم تتأثر بالحرب وتفتيشها، كما لم تتمكن من الوصول إلى المواقع التي تعرضت للقصف مثل نطنز وفوردو.
وتكمن أهمية مخزون اليورانيوم عالي التخصيب في أنه وفقاً لأحدث تقرير لـ “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” في سبتمبر (أيلول) الماضي فإن إيران تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وتعتقد الوكالة أن هذه الكمية من المواد الإيرانية لا تفصلها سوى خطوة تقنية قصيرة عن مستوى التخصيب بنسبة 90 في المئة، وهو المستوى المطلوب لصنع سلاح نووي، وهذا الاعتقاد سائد على رغم إصرار إيران، قبل وبعد الحرب الإسرائيلية – الأميركية التي استمرت 12 يوماً، على أن برنامجها النووي سلمي.
وترى إيران أن التقارير مسيسة، وكذلك تصريحات رفائيل غروسي التي تزيد عدائية الموقف الإيراني تجاهه، معتبرة أنها تمنح مبرراً لإسرائيل وواشنطن لمهاجمتها مرة أخرى، فقد قال في إحدى المقابلات إنه إذا قررت إيران تسليح برنامجها فقد تكفي هذه الكمية لإنتاج ما يصل إلى 10 قنابل نووية، على رغم أن مسؤول الوكالة أكد عدم وجود دليل على أن إيران تسعى إلى امتلاك أسلحة.
مبدأ المفاوضات أصبح من منظور إيران وكأنه مفروض عليها، إذ ترى أنه ليس تفاوضاً مصلحياً يقوم على مبدأ القوة التبادل، أي تفعل إيران شيء من أجل أن تقوم واشنطن بشيء آخر في المقابل، بل تعتبر إيران أنه تفاوض يقوم على مبدأ قوة التهديد، أي أنها إذا لم تتفاوض أو لم تقم بالاستجابة للمطالب الأميركية فستستخدم القوة العسكرية ضدها، وتريد إيران تفاوضاً حيث تستخدم أوراق الضغط وبطاقات المساومة والتفاوض، حيث تعتبر أن دخول المفاوضات الآن وفق مبدأ التخصيب الصفري والتفاوض على قدراتها الصاروخية سيكون نوعاً من الاستسلام، ولا سيما وأنها تعاني ضعفاً إستراتيجياً يصور المفاوضات وكأنها طريق بين البقاء وانهيار النظام، لذا تحاول إحداث تحول في السياسة الخارجية ليتناسب مع المعطيات الإقليمية الجديدة على مدى عامين لاستعادة التوازن الإقليمي، وتريد المفاوضات مع استعادة النفوذ، ومن ثم فربما تعمل على تعزيز قدراتها ووجودها في وسط آسيا والتعاون الأمني الإقليمي ودبلوماسية الجوار وآليات التواصل مع ما يسمى “محور المقاومة”.
نقلا عن اندبندنت عربية



