
إيران… تغيير أم فوضى وأزمة البديل؟
لا شك أن النظام يعيش مرحلة قد تكون الأدق في تاريخ الدفاع عن نفسه وبقائه أمام موجة الاعتراضات الشعبية الجديدة
حسن فحص
بضعة أيام فصلت بين الأمر الميداني الذي أصدره المرشد الأعلى للنظام للأجهزة الأمنية بإنهاء حالة العصيان التي شهدتها شوارع المدن الإيرانية، وبين الرسالة التي وجهها “للشعب الإيراني” الذي خرج تأييداً للدولة ودفاعاً عن إيران في وجه المؤامرات التي تقودها دول خارجية بمساعدة من عملاء الداخل. معلناً بذلك الانتهاء من عملية إعادة السيطرة على الأوضاع والقضاء على مصادر الخطر والتهديد المباشر الذي واجهه النظام.
قد يكون النظام نجح مع الأجهزة الأمنية في قمع التظاهرات، ولم يتردد أو يشعر بأي حرج أو خوف من الذهاب إلى خيار استخدام القوة والقمع المفرط لإعادة ضبط الشارع والأوضاع، بغض النظر عن حجم الخسائر البشرية والقتلى في صفوف المتظاهرين، أو الأخذ في الاعتبار التهديدات والتلميحات الأميركية بالتدخل. فهو أعد العدة لتسويغ هذا القتل بتوجيه أصابع الاتهام إلى أجهزة استخبارات خارجية وعملائها في الداخل مثل جهازي “الموساد” الإسرائيلي و”السي آي أي” الأميركي، وهو ما سارع وزير الخارجية عباس عراقجي للقيام به في اللقاء الذي جمعه مع سفراء الدول الكبرى والغربية العاملين في إيران.
لا شك أن النظام الإيراني يعيش مرحلة قد تكون الأدق في تاريخ الدفاع عن نفسه وبقائه أمام موجة الاعتراضات الشعبية الجديدة، التي انطلقت على خلفية مطلبية واضحة بدأها تجار البازار بعد الانهيار الكبير الذي أصاب سعر صرف العملة الوطنية. وسرعان ما تحولت إلى مواجهات عنيفة بين جزء من المتظاهرين والأجهزة الأمنية، ونقلت الحراك من طابعه المطلبي الهادئ والعميق إلى مستوى من العنف الذي وفر للنظام الغطاء لممارسة العنف والقمع بحده الأعلى.
وإذا ما كان حراك الشارع الإيراني قد وضع النظام بمواجهة أخطر وأدق أزمة في حياته، فإن هذا الشارع كشف أيضاً عمق الأزمة التي تعيشها المعارضة الإيرانية في الخارج، بخاصة لجهة فشلها في تقديم قيادة قادرة على إقناع الإيرانيين بوجود بديل عن النظام القائم، يستطيع نقل طهران إلى مرحلة جديدة. وأزمة البديل ظهرت بوضوح على الموقف الأميركي وفي تردد الرئيس دونالد ترمب بمنح نجل الشاه شرعية المعارضة وتكريسه زعيماً للحراك والتغيير وقائداً مستقبلياً لإيران على رغم كل التنازلات التي سارع رضا بهلوي لتقديمها.
وقد كان واضحاً أن غالبية قوى المعارضة الليبرالية والعلمانية في الخارج، مارست كثيراً من التردد والإحجام عن الدعوة للمشاركة في الاعتراضات والتظاهرات. فهي وإن كانت تسعى وتعمل من أجل إحداث تغيير في النظام والتخلص من المنظومة الدينية الحاكمة، التي حولت العلاقة بين السلطة والشعب إلى علاقة من طرف واحد “ثيوقراطية” لا تأخذ سوى بحساباتها الخاصة، التي تساعد على تعزيز سلطتها وقدرتها وتثبيت سياساتها الداخلية والخارجية. إلا أنها في المقابل، ترفض الانضواء تحت مسار اعتراضي، قد يؤدي في نتيجته إلى إعادة إنتاج النظام الملكي أو نظام السلطان والرعية الذي طالما ناضلت وعملت للتخلص منه والانقلاب عليه.
إيران ترد على الاحتجاجات بتهديد القواعد الأميركية وتسريع محاكمات المحتجين
وعلى رغم اتساع التظاهرات ووصولها إلى جميع المحافظات الإيرانية الـ31، فإن ما كشفته الوقائع، أنها لم تكن نتيجة الدعوات التي خرج بها نجل الشاه للتظاهر والانقلاب والقضاء على النظام، وأن أنصار الملكية لا يشكلون قاعدة شعبية قادرة وحدها على قيادة الشارع وتزعمه، أو أن تشكل قيادة للتغيير المطلوب. وبالتالي فإن استمرارية التظاهرات وما شهدته من مواجهات دامية بين المعترضين وقوات الأجهزة الأمنية، كانت تدار بكثير من التنظيم وبأسلوب مدروس وهادف، من خارج قدرة الجماعات الملكية على ذلك. ما يحمل على الاعتقاد بأن جماعات أكثر تنظيماً وقدرة على جر التظاهرات والشارع بالاتجاه الذي يخدم مصالحها، هي التي استغلت الغطاء الذي وفرته دعوات نجل الشاه، وإبعاد الشبهة والاتهام عنها وعدم ملاحقة خلاياها الناشطة داخل إيران.
دعوات التظاهر والعصيان جاءت في توقيت دقيق يتعرض فيه النظام لأعلى وأشد أنواع الضغوط الأميركية والدولية، وحالة القلق الدائم من إمكانية تعرضه لضربات عسكرية، ما سمح للسلطة ومنظومتها وأجهزتها بالحديث عن انحراف الحراك المطلبي عن أهدافه المشروعة باتجاه العنف واستهدف إيران ووحدتها الجغرافية والسيادية، بدعم من أجهزة استخبارات دولية وإقليمية، وتحديداً الاستخبارات المركزية الأميركية و”الموساد” الإسرائيلي، من خلال تفعيل خلايا في الداخل والعمل على انهيار النظام الذي يشكل هدفاً إسرائيلياً.
اللافت في الحراك الاعتراضي الذي شهدته إيران، تبادل الأدوار بين السلطة والمتظاهرين. ففي النهار، كانت كل المدن بشوارعها وأزقتها تحت سيطرة النظام وأجهزته، في حين شكل الليل غطاءً لكل الجماعات التي جرت الاعتراضات إلى أجنداتها الخاصة، ما حولها إلى عملية استنزاف واضحة للأجهزة وجرها لمواجهات مستمرة ومتنقلة لإشغالها وإنهاكها وإضعاف قدرتها على استعادة المبادرة الأمنية. إلا أنه كشف من جهة أخرى، عدم قدرة هذا الحراك بالتحول إلى حالة جماهيرية شاملة، وأيضاً فشله في توظيف النقمة الشعبية على انهيار الوضع الاقتصادي إلى محرك يستهدف أساس النظام ومكامن قدرته وسيطرته، على غرار ما حصل في حراك “المرأة، الحياة، الحرية” الذي شهدته إيران بخريف عام 2022 بعد مقتل الفتاة مهسا أميني، والذي تحول إلى تحدٍ لهوية النظام الأيديولوجية والثقافية، وأحدث انقساماً عمودياً بين النظام والشعب على خلفية المطالبة بالحريات والشخصية والاجتماعية.
ما كشفه الحراك الأخير في إيران، أن المجتمع الإيراني يعيش حالة من الانقسام بين ماضيين لا يلبيان طموحاته، بين ماضوية ملكية وحاضر ثيوقراطي ديني، وكلاهما فشلا في تقديم علاجات حقيقية للأزمات التي يعاني منها المجتمع الإيراني، سواء في ما يتعلق بالديمقراطية والحرية أو في لقمة العيش والحياة الكريمة والنمو الاقتصادي، في ظل غياب البديل الواضح القادر على نقل إيران إلى مستوى الطموحات الشعبي.
إن استعادة النظام للسيطرة على الأوضاع، قد لا تعني دواماً واستمرارية ما لم يذهب إلى معالجات حقيقية وجدية قد تطيل من عمره وبقائه، تبدأ من قطع وكف يد المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة عن الاستحواذ على العمل الاقتصادي، والتخلي عن حماية الفساد والاختلاس وهدر الأموال على مؤسسات لا عائد اقتصادي لها، سوى أنها تشكل أذرعاً للنظام والدولة العميقة، إضافة إلى إعادة النظر في آليات تعامله مع المجتمع الدولي من خلال العودة إلى سياسة الانفتاح والحوار والتسويات التي تساعد في وضع إيران على خريطة التفاعل الدولي سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وإلا فإن الرماد الذي نشره ونثره على جمهور الاعتراضات هذه المرة، قد لا يدوم طويلاً، وقد يعود للاشتعال مستقبلاً بصورة أكثر عمقاً واتساعاً وجذرية.
نقلاً عن اندبندنت عربية



