أخبار الأحوازأهم الأخبارتقارير

الشاعر مصطفى هليجي يكشف تفاصيل قمع الثقافة في الأحواز

في زنزانة معتمة داخل سجن “شيبان” سيئ الصيت، حيث تغيب شمس الحرية وتتوارى حقوق الإنسان خلف قضبان سجون الاحتلال الإيارني، يكتب الشاعر والمترجم الأحوازي مصطفى هليجي، المعروف بـ”مصطفى جمال”، فصولا من مأساة إنسانية تعكس واقعا مريرا يعيشه المثقفون في الأحواز.
لم تكن هذه الكلمات مجرد استغاثة عابرة، بل هي شهادة موثقة تقشعر لها الأبدان، كشفت عنها رسالة مسربة من داخل السجن، لتضع العالم أمام حقيقة ساطعة كالشمس: في الأحواز، يصبح القلم “جريمة”، وتتحول الكلمة “خطرا أمنيا”، ويغدو العمل الثقافي “تحديا وجوديا” لسلطات الاحتلال التي لا تتقن سوى لغة القمع والتنكيل.

حقل ألغام ثقافي: حين تغدو المعرفة جناية
يصف هليجي، الذي يقضي حكما جائرا بالسجن لمدة 13 عاما ويوم واحد، واقع النشطاء والمبدعين في الأحواز بـ”السير في حقل ألغام”.
وفي شهادته التي حملت في طياتها مرارة الغربة داخل الوطن، أكد أن القبضة الأمنية للاحتلال تترصد كل محاولة لإثراء الثقافة العربية الأحوازية.
ويشير في رسالته إلى أن الأجهزة الأمنية للاحتلال تعتبر أي نشاط ثقافي مستقل، مهما كان صغيرا أو سلميا، تهديدا لهيمنتها المطلقة، مما يحول الكتاب والمبدعين والمثقفين إلى أهداف دائمة للملاحقة، والاعتقال، والإقصاء الممنهج.

رحلة العذاب: من “منبر الوطن” إلى زنازين الاحتجاز
تستعرض الشهادة فصولا من المعاناة بدأت ملامحها في عام 2019، حين بادر هليجي بتأسيس برنامج “منبر الوطن”، وهو مبادرة ثقافية وفنية تهدف إلى دعم المواهب الشابة وتسليط الضوء على الإبداع الأحوازي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
مشروع هليجي التنويري يشكل خطرا على مخططات الاختلال الإيراني لتفريس الأحواز ومحاولات طمس هويتها العربية، فما كان من الاحتلال إلا اعتقاله والقائه خلف قضبان السجون في انتهاك واضح للمواثيق الدولية وحقوق الإنسان.

فبمجرد انتهاء المشروع، تحولت الأنظار الأمنية نحوه، ليجد نفسه رهن الاعتقال لمدة عامين (2020-2022) دون توجيه تهمة حقيقية أو خضوعه لمحاكمة عادلة.
ورغم إطلاق سراحه لاحقا، فقد فرضت عليه قيود قاسية، أبرزها الامتناع التام عن أي نشاط أدبي أو إعلامي، وحرمانه من حقه في العمل، مما جعله يعيش “سجنا مفتوحا” لعامين آخرين، حيث كان ممنوعا من ممارسة أبسط حقوقه كإنسان ومبدع.

ديسمبر 2024: فصل جديد من التنكيل
لم يكتف الاحتلال الإيراني بحرمانه من لقمة العيش، بل عاد لاعتقاله مجددا في ديسمبر 2024.
ويكشف هليجي في رسالته تفاصيل مرعبة عن فترة التحقيق الثانية، مؤكدا أنها تخللتها صنوف من “الضرب والإهانات والإذلال النفسي والجسدي”.

و الهدف من هذا التعذيب كان واضحا: إجباره على الاعتراف بتهم ملفقة تليق بـ”سيناريوهات أمنية” معدة مسبقا، مثل “الانتماء لجماعات انفصالية”، أو “الصلات بحركات معارضة في الخارج”.

ويشير الشاعر بمرارة إلى أن تواصله الإنساني البسيط مع زميل سابق في السجن وهو النشاط الأحوازي مختار البوشوكة، الذي كان يتصل به للاطمئنان عليه، قد استخدم كذريعة لتلفيق تهمة “العمل ضد الأمن القومي” وماجهة أشد أنواع التكنيل والتعذيب على يد عملاء الاحتلال الإيراني.
13 عاما من الظلم: رسالة ترهيب لكل مثقف
أصدر القضاء التابع للاحتلال الإيراني حكما بالسجن لمدة 13 عاما ويوم واحد بحق هليجي، مع إضافة حظر سفر لمدة عامين، في قرار وصف بأنه رسالة ترهيب متعمدة لكل مثقف أو ناشط أحوازي يفكر في رفع صوته.
ويؤكد هليجي أن قضيته ليست استثناء فرديا، بل هي نموذج مصغر لواقع أليم يعيشه المجتمع الأحوازي بأسره، حيث تنتهك الكرامة الإنسانية، وتهدر طاقات الشباب في زوايا السجون لمجرد ممارستهم حقهم الطبيعي في التعبير والحفاظ على الهوية العربية الأحوازية.

يطرح الشاعر تساؤلات وجودية تصفع الضمير العالمي: “أين في العالم يسجن شاعر أو كاتب بسبب طموحاته الأدبية؟ وفي أي بلد يتعرض ناشط أدبي وإعلامي لأبشع أنواع التعذيب؟”.
إنها صرخة لا تستهدف نيل الحرية الشخصية فحسب، بل هي محاولة لتعرية الممارسات التي تسعى لقتل روح المجتمع الأحوازي.

ردود الفعل الدولية: صرخة في وجه القمع
من جانبها، سارعت منظمة “كارون” لحقوق الإنسان إلى إدانة هذا الحكم الجائر، واصفة إياه بأنه انتهاك صارخ لحرية التعبير ولكافة المواثيق والعهود الدولية التي تصون كرامة الإنسان وحقه في النقد والإبداع.

وأكدت أن إصدار أحكام قاسية بإعادة اعتقال وسجن الكتاب والفنانين في الأهواز هو مثال واضح على انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وحرية التعبير، ويجب على المنظمات الدولية التدخل بشكل عاجل لوقف هذه العملية.

قضية هليجي اليوم تقف شاهدا حيا على أن الفكر لا يمكن سجنه، وأن كل يوم يقضيه خلف القضبان يضيف إلى رصيد الظلم الذي لن ينساه التاريخ، وسيبقى شاهدا على أن الكلمة الحرة أقوى من كل سلاح، وأن صوت الأحواز سيظل يصدح رغم كل القيود.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى