تحديات تواجه محاولة إيران اختيار خليفة السيستاني وزيادة نفوذه

تسعى طهران إلى تحويل النجف لمركز ديني له نشاط سياسي خاضع لسيطرة قم

هدى رؤوف – كاتبة

منذ سقوط نظام صدام حسين وظفت إيران البعد الطائفي، كونها دولة شيعية، بالعمل على مسارين متوازيين، يتعلق الأول بالمساعدة في تشكيل الجماعات الشيعية شبه المسلحة، أما الثاني فيتمثل في منافسة الحوزات الدينية بالنجف الأشرف، وتعزيز سلطة نظيرتها في قم.

ومع تقدم العمر بآية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي بالنجف الأشرف، تثور التساؤلات حول قدرة وحدود التأثير الإيراني في الساحة العراقية على عملية اختيار المرجع الديني بالنجف الأشرف، ودوافع طهران من السيطرة على الحوزة الدينية بالنجف، ومدى وجود عقبات أو محفزات أمامها، وتأثير ذلك في مستقبل العراق والإسلام الشيعي.

وتمثل التفرقة بين الزعامة الروحية للمرجع الشيعي في النجف والزعامة السياسية للمرشد الإيراني الفصل بين تيارين متعارضين للسياسة في المذهب الشيعي. فالشيعة العراقيون يتبعون ما يسمى مدرسة الفكر الهادئ، التي تترجم على أنها “التوجيه والإرشاد”، أما الخميني فقد دعا إلى الحكومة الإسلامية، كما قدم نظريته عن ولاية الفقيه التي كان لها تأثير قوي في مؤسسات ما بعد الثورة في بلاده.

وقد لعب المرجع الشيعي آية الله السيستاني دوراً في الحياة السياسية العراقية بعد الغزو الأميركي عام 2003. لكنه باعد بينه وبين السياسة الإيرانية، واتضح ذلك من خلال عدة مؤشرات. منها أولاً: مقاطعته المالكي رئيس الحكومة العراقية، والمعروف بعلاقته الوطيدة بإيران، الذي لعبت الأخيرة دوراً في اختياره رئيساً للوزراء، ودأبت على تقديم الدعم لحكومته التي انتهجت سياسة من شأنها تحسين العلاقات الاستراتيجية مع إيران. وفي المقابل، دعم السيستاني حيدر العبادي ضد دعم طهران نوري المالكي. وأصدر المرجع الأعلى وثيقة طالب فيها حزب الدعوة بتسمية رئيس وزراء جديد بديلاً للمالكي ويحظى بقبول وطني.

ثانياً: عدم تبني الحوزة العلمية بالنجف لولاية الفقيه، لطالما سعت إيران إلى تحجيم شعبية مرجعية النجف التقليدية ونفوذها، وهذه المرجعية التي رفضت بشدة نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي طورها آية الله الخميني وطبقها، ولذلك تعمل طهران على تسييس حوزة النجف واعتراف مراجعها بولاية مرشد الثورة الإيرانية.

ثالثاً: في عام 2014 أصدر السيستاني فتواه حول الجهاد الكفائي، لحمل السلاح في مواجهة “داعش” في العراق، وحينما أدرك أن فتواه كانت تستخدم لتمكين الميليشيات المدعومة من طهران، أوضح ممثله في كربلاء أنه لم تكن الفتوى تهدف إلى إضفاء الشرعية على تشكيل الجماعات شبه العسكرية غير النظامية، لكن بالأحرى صدرت لدعم قوات الأمن العراقية.

رابعاً: رفض السيستاني استقبال رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني محمود الشاهرودي، خلال زيارته العراق في سبتمبر (أيلول) 2017.

وقد عملت إيران منذ سقوط عراق صدام حسين على منافسة الحوزات الدينية في النجف الأشرف وتعزيز سلطة نظيرتها في قم. فقد حرصت طهران على استمرار العلاقات الثقافية والدينية بين الشعبين العراقي والإيراني، فالإيرانيون يرغبون في الحج إلى الأماكن الشيعية المقدسة، وأن تكون لديهم حرية زيارة مدن كربلاء والنجف المقدسة، واتبعت سياسات دينية لجذب الشيعة العراقيين بعيداً عن رجال الدين في النجف. ولتحقيق هذه الغاية والتأثير اتبعت عدة سياسات تهدف إلى استخدام نفوذها السياسي والعسكري لبلورة مشروع ديني يخدم مصالحها.

ومنذ 2003، سعت طهران إلى تحجيم نفوذ المرجعية الشيعية بالنجف، بهدف الحد من نفوذ رجال الدين العراقيين الشيعة، مثل آية الله السيستاني الذي لا يؤمن بولاية الفقيه، كما أن نفوذه الديني يقلق إيران داخل وخارج العراق، حيث 80 في المئة من الشيعة حول العالم يعتبرونه المرجع الديني، وليس المرشد الإيراني، وتعد قراراته مقدسة لملايين من أتباعه الشيعة الذين يتبرعون له بالضريبة الدينية.

لذا، دعمت طهران رجال دين عراقيين ذوي رتبة دينية أقل من آية الله السيستاني، وذلك للحد من نفوذه والاستعداد لشغل مكانه. ولبسط نفوذها، أنشأت المؤسسات الإيرانية المدارس الدينية والجوامع والعيادات الطبية في النجف وبغداد. وعملت منذ عام 2011 على تجهيز أحد الشخصيات المقرّبة من النظام، وهو آية الله محمود هاشمي الشاهرودي، وهو رجل دين إيراني ورئيس القضاء السابق، من كبار رجال السلطة الدينية في الإسلام الشيعي، لكنه توفي منذ نحو عامين.

هنا، لم تتوقف إيران عن محاولات توظيف البعد الديني، فقد نشرت وكالة أنباء “رويترز” تقريراً عن زيارة أحد كبار الضباط في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وبعده إسماعيل قآني قائد فيلق القدس لواحد من أقدس المواقع الشيعية في كربلاء، لتفقد مشروع إنشائي تنفذه مؤسسة الكوثر المملوكة للحرس الثوري التي تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات.

وحاولت إيران بدأب العمل على تحويل النجف إلى مركز ديني ذي نشاط سياسي خاضع لسيطرة قم، لذا يجري العمل على اجتذاب طلاب السيستاني وتقديم المزايا والمنح لهم. ويتوقع الفقهاء وقوع حوزة النجف تحت سيطرة حوزة قم بعد وفاة السيستاني، فقبل وفاة الشهرودي الذي كانت تجهزه لخلافته، افتتح الرجل مكتباً في النجف، وبدأ يدفع منحاً لطلبة المدارس الدينية، وتقديم رواتب شهرية لهم، ثم فتح مكتبين في كربلاء وبغداد، وجرى العمل على توسيع ضريح الإمام علي بقيمة 300 مليون دولار.

ويدر تطوير العتبات الدينية منافع لإيران بسبب السياحة الدينية، فضلاً عن خلق حالة من التبعية بين متلقي المعونات وبين طهران، لأنها تدمج البنية التحتية العراقية في شبكة البنية التحتية الإيرانية، علاوة على ذلك، توفر هذه الأنشطة تغطية لشبكات الاستخبارات الإيرانية العاملة في العراق.

وعلى الرغم من الجهود الإيرانية للتحكّم في عملية خلافة السيستاني، ودعم حوزة قم لتنافس نظيرتها في النجف التي تستهدف إيران أن تكون تابعة لنظيرتها في قم، وعلى الرغم من جهودها كذلك المستمرة للآن في تطوير العتبات الدينية بالعراق، تتصاعد مؤشرات الاستياء العراقي.

وتغير الخطاب الشيعي من الدور الإيراني في العراق أحد التحديات التي تواجه النفوذ الإيراني منذ 2003. ومن مظاهر الاستياء العراقي مؤخراً، تطوران مهمان، الأول دعوة آية الله السيستاني الأمم المتحدة للإشراف على الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها العام المقبل، ما دفع صحيفة “كيهان” الإيرانية القريبة من المتشددين إلى انتقاد دعوة السيستاني، وهنا كان الاستياء العراقي من جميع الأطراف الرسمية وغير الرسمية لتوجيه الصحيفة الإيرانية انتقادات للمرجع الشيعي العراقي، معتبرين موقفها يتضمن إهانة للشعب العراقي.

التطور الآخر هو إعلان ألوية العتبات المقربة من السيستاني مؤتمراً في الفترة من 2 إلى 4 ديسمبر (كانون الأول) حول دعم الدولة ضد بعض الميليشيات القريبة من إيران وإعلان انسحابهم من الحشد الشعبي، وأعلنت الفصائل الأربعة أنها تحت السيطرة الكاملة للدولة والارتباط مباشرة برئيس الوزراء العراقي. وتتكون ألوية العتبات من أربعة تشكيلات عسكرية هي “فرقة العباس” (التابعة للعتبة العباسية) و”لواء علي الأكبر” (التابع للعتبة الحسينية) و”فرقة الإمام علي” (التابعة للعتبة العلوية) و”لواء أنصار المرجعية”.

الهدف يبدو فصل المنظمات التي تدعم الحكومة العراقية عن الفصائل والأحزاب السياسية التي تتبع مصالح إيران. والواضح أن الحوزة في النجف أكثر اهتماماً بحماية استقلالها الخاص، وهو يرتبط بشكل متزايد ببقاء الدولة العراقية واستقلالها النسبي عن إيران، في الوقت الذي ينظر فيه الجناح المتشدد الإيراني إلى العراق كجزء من منطقة إقليمية أوسع في سياق مشروعها الإقليمي.

أخيراً، يبدو في ظل تسارع طهران وتيرة رغبتها في إبرام صفقات الإمداد والتسليح والتعاون العسكري مع القوات العراقية، لا سيما بعد الانسحاب الأميركي، فإن العراق يقابل الطلب الإيراني بفتور وحذر تخوفاً من إثارة قلق الولايات المتحدة حول ارتباط بغداد بمزيد من التعاون العسكري مع طهران.

كما أن العلاقات بين السعودية والعراق تشهد تقارباً مؤخراً، ما يعني ما أوضحناه في مقال سابق أن كل مساحة تكتسبها السعودية في الساحة العراقية ستخلخل أواصر العلاقات بين طهران وبغداد، ومن ثمّ لا ينبغي المبالغة في حدود التأثير الديني في ظل هذه العوامل.

نقلاً عن ” INDEPENDENT  عربية “

In this article

Join the Conversation


آخر الأخبار