السعودية وإيران، فهم آخر لعودة الحوار

علي الصراف

في لحظةٍ ما، بدا أن الحوار السعودي – الإيراني يتعثر. وكان من الطبيعي له أن يتعثر ويظل متعثرا حتى تنقلب إيران على نفسها، فتكتشف سبيلا آخر للعيش مع نفسها بالكف عن “تصدير الثورة” واستيراد الفقر، وسبيلا آخر للتعايش مع الجوار من دون تهديدات ولا حروب ولا ميليشيات.

ولكن السبل إلى ذلك بدت مقطوعة. وظلت محاولات شقها تتطلب استعدادات دولية، بقينا نكتشف كل يوم أنها غير موجودة لدى الولايات المتحدة، أو أنها مجرد هراء كلامي يردده الإسرائيليون عن توجيه ضربة لإيران.

لقد استبعدت الولايات المتحدة خيار الحرب مع إيران. وكان ذلك كافيا، بمفرده، ليقول لإيران إنها تستطيع أن تواصل سياسات زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وسواء تحقق تقدم في الملف النووي أم لم يتحقق، فالكل يفهم أنه لا سبيل لتعديل المسالك الإيرانية من دون مواجهة مباشرة. وعندما تغيب الاستعدادات لهذه المواجهة فإن على دول المنطقة أن تتدبر أمورها بنفسها مع إيران.

النووي الإيراني ليس مشكلة كبرى من مشاكل السعودية. إنه مشكلة الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن الخير للسعودية أن تنأى بنفسها عن هذا الصراع وتبعاته وتكاليفه.

لسان حال الرياض يكاد يقول: حاربوا إذا شئتم أن تحاربوا أو ساوموا إذا شئتم المساومات. ومهما فعلتم فإنه لا يعنينا، لا أرضنا يفترض أن تكون مسرحا له ولا اقتصادنا يفترض أن يدفع ثمنه.

هذا هو أساس العودة إلى الحوار. الصورة الواضحة في الرياض هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تجدا في دول المنطقة حليفا لهما في خياراتهما حيال إيران. وطالما تم استبعاد خيار الحرب ولم تتوفر له مؤشرات تثبت جديته، ولا قدرته على فرض واقع جديد، فمن الخير للسعودية وباقي دول الخليج أن تنأى بنفسها عن المهاترات.

“إعادة الانتشار” في اليمن قدمت دليلا على قناعة واحدة، هي أن الحرب يجب أن تتوقف على عودةٍ إلى القسمة السابقة بين يمنين شمالي يطحن نفسه مع الحوثي، وجنوبي يطحن نفسه مع مشاكله.

والمعنى قد يبدو بالنسبة إلى الحوثي وإيران انتصارا. ولكن القول الآن هو: خذوه، بل ولتشبعوا انتصارات من هذا النوع.

ما يعني السعودية هو أمنها. فللمرة الأولى أصبح هذا الأمن قضية لا علاقة لها بالشراكة مع الولايات المتحدة.

وعندما تكون بلا حليف جدير بالثقة فإن السلام مع الأشرار خيرٌ من المجازفة بعون قد لا يأتي. وحتى إذا جاء فإن كلفته أبهظ من منافعه.

المعركة الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة هي معركتهما، لا معركة أحد آخر. هذا ما كانت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما قد اختارته عندما توصلت إلى اتفاقها السري مع إيران قبل توقيعه في العام 2015. وهي فعلت ذلك من دون أدنى تشاور مع “حلفائها” في المنطقة، رغم أنهم أول المعنيين به. وهذا ما ستعود “إدارة أوباما 2” لتفعله من جديد.

وسواء حققت إيران نصرا أو حققت الولايات المتحدة نصرا، أو توصل الطرفان إلى تقاسم “الانتصار”، فالقول في السعودية هو: مبروك عليكم، مرتين. الأولى، بالتوصل إلى نهاية نزاع. والثانية، بأن ترحلوا عن سمائنا بكل ما جلبتم من تنازعات كنا في غنى عنها.

تعود السعودية إلى الحوار مع إيران من موقع المهزوم. هذه وجهة نظر، قد تنفع حسن نصرالله في خطاباته الساخرة. إلا أنها لن تجلب الخبز للجياع في طهران ولا في بيروت.

تريد السعودية، كما دول الخليج الأخرى، أن تنأى بنفسها عن إيران بوسائل أخرى طالما لم تتوفر لغيرها من الوسائل أن تحقق الغاية منها.

وفي الواقع، فإن خروج إيران بانتصار معنوي قد يكفي ليكشف للولايات المتحدة أنها حليف لا تجدر الثقة به، وأنها نمر من ورق، وأن الاعتماد عليها مضيعة للوقت والمال. كما يمكن أن يكشف لإسرائيل ضعفها وقلة حيلتها، وأنها بالكاد تستطيع أن تستكلب على الفلسطينيين إذا شاءت استعراض العضلات. وهذا وضع يجعلها أفقر بكثير من أن تكون قوة جديرة بالاحترام.

ما هو مهم في عودة السعودية إلى الحوار مع إيران هو أنها تريد أن تتوصل إلى اتفاق سلام، يعيد إقامة علاقات حسن الجوار ويفتح أبواب التجارة والتعاون، ويضمن الكف عن التهديدات. ويفصل في الوقت نفسه بين مشكلات إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مشكلاتها مع دول المنطقة.

بمعنى آخر، ألا تُؤخذ هذه الدول بجريرة التحالف الوهمي مع الولايات المتحدة؛ تحالف ثبت أنه عبء عليها أكثر مما يوفر من ضمانات.

لقد عادت الرياض لتكتشف، ولو متأخرة، الحقيقة التي كانت تعرفها من قبل؛ وهي أن الولايات المتحدة لا تحارب إلا حروبها، وأنها لن تدافع عن أحد، وأنها تنظر إلى السعودية كسوق سلاح. وهو ما يستوجب نظرة سعودية مماثلة، تنزع الرهان عن الولايات المتحدة كحليف لتكون كما شاءت لنفسها أن تكون: أي مجرد سوق للسلاح، بين عدة أسواق، يمكن المفاضلة فيما بينها.

ليس مطلوبا من السعودية أن تخوض حربا ضد إيران، ولا حتى حربا بالوكالة. فالحرب في اليمن التي كان يمكن كسبها منذ عدة سنوات، تعرضت لإحباط تلو آخر عندما آثرت الولايات المتحدة أن تتراجع عن دعمها لتكون بمثابة حرب استنزاف؛ أي بالضبط كما أرادت لها طهران أن تكون، وكأن بينها وبين واشنطن لغة تخاطب تسمعها القلوب لا الآذان.

يمكن لإيران أن تهنأ بالحوثي وحسن نصرالله وميليشيات الفساد والاغتيالات في العراق. هذه ليست مشكلة السعودية؛ إنها مشكلة إيران مع نفسها، كما أنها مشكلة أتباعها مع شعوب بلدانهم.

سوف تعود السعودية إلى الجولة الخامسة من الحوار مع إيران ولكن ليس لمواصلة “الاستكشاف” وإنما لتوقيع اتفاقات سلام.

اُنظر إليها كيفما شئت. فعندما تقف على أرض الحقيقة، وعندما تتخلص من الأوهام، فإن ما قد يعتبره الآخر نصرا له وهزيمة لك، فإن العكس هو الصحيح.

أوهام القوة التي تُصدّر الثورة وتستورد الفقر، هي الهزيمة.

العرب اللندنية

In this article

Join the Conversation


آخرین خبرها