مسارات نصرالله وثنائية ميقاتي

علي شندب
 
خلط إعلان زعيم حزب الله استجرار سفن النفط الإيرانية الى مرفأ بانياس السوري ومن ثم نقله بالصهاريج الى لبنان الأوراق اللبنانية الهشّة. حيث سجّل نصرالله قصب السبق في رفد السوق اللبنانية انطلاقا من بيئته اللصيقة وتوسعاً باتجاه البيئات الأخرى بهذه المادة الحيوية المفقودة التي بدا لبنان بسبب ندرتها وإحتكارها وتهريبها أشبه بمنزلق الى فوضى أمنية غير مسبوقة حتى في زمن الحرب الأهلية.
 
وبدا نصرالله في اطلالته النفطية وهو يعلن خبر وصول سفينة المازوت الأولى كهدية وهبة للمستشفيات الحكومية والمؤسّسات الإنسانية والمدنية المشابهة، متجلبباً بعباءة المخلّص الحريص، والمتحسّس الوحيد بمعاناة الناس وآلامهم. وكم كان متكلفاً وهو يعبر عن ضيق صدره من تجرع اللبنانيين كأس الذلّ والمذلة والمهانة في نهاراتهم ولياليهم الطويلة أمام محطات الوقود ليسدّوا بطون سياراتهم ومولداتهم الكهربائية الجائعة بعدة ليترات من الوقود.
إذن، نفذ صبر نصرالله، فضرب ضربته الحاسمة، ونفّذ وعده باستجرار النفط الإيراني تاركاً لإعلامه وبيئته الإفتراضية التفنّن في تجحيظ الإنتصار وتصويره كسراً للحصار المزدوج على لبنان وسوريا معاً، فيما بيئته العضوية تستبقل طلائع الصهاريج بإطلاق الرصاص والقذائف الصاروخية في بعلبك والهرمل.
“مسار السفن” النفطية الإيرانية كما سمّاه نصرالله استبق وتزامن مع مسار آخر عبّرت عنه السفيرة الاميركية في بيروت لاستجرار الغاز المصري والطاقة الاردنية عبر الاراضي السورية، وهو المسار الذي فتح قنوات التواصل الرسمية بين الحكومتين اللبنانية والسورية، كما وأعاد الحياة الى شرايين التنسيق الطاقوي اللبناني السوري الاردني المصري، تزامنا وتوازيا مع وصول أول شحنة من الفيول العراقي الى معملي توليد الكهرباء في ديرعمار شمالي لبنان، والزهراني جنوبي لبنان.
وفيما استجرار الغاز المصري والفيول العراقي يتم عبر الدولة اللبنانية، فإن استجرار النفط الإيراني يتم عبر دولة حزب الله وبعيداً عن الدولة اللبنانية. وفي هذا تكريس لثنائية الدولة والدويلة، وربما الأصحّ لثنائية دولة لبنان، ودولة حزب الله. وقد تكرّست هذه الثنائية في لحظة لامست الهشاشة في الواقع اللبناني المأزوم حدّها الأقصى، قبل أن تسمح الإشارات الخضراء الإقليمية والدولية بتشكيل ميشال عون لحكومة الثلث المعطل برئاسة نجيب ميقاتي بعد استعصاء وانسداد سياسي استمر لأكثر من عام.
ثنائية مسارات النفط الرسمية والحزبية، كرّست ثنائية الحزب والدولة، وأيضاً تغوّل الحزب على الدولة التي تحوّلت فيها هيئات الحزب ومؤسّساته المختلفة الى هياكل رديفة للدولة بكل مضامينها وخصوصا السيادية منها.
ما فعله حزب الله ليس عملية عفوية أو مرتجلة، جلّ ما في الأمر أن حزب الله كجهة مسؤولة عملياً وغير مسؤولة رسمياً عرف كيف يستفيد لأقصى حد ممكن من المتغيرات والتحولات الطارئة في المنطقة وحول العالم، ولكن استجراره للنفط بعيداً عن الدولة جعله يقفز لموقع المتجاسر والمتقدم عليها إقتصادياً أيضاً، سيّما وأن الدولة اللبنانية فقدت وظيفتها كساتر كان حزب الله يتلطّى خلفه. ومع سقوط ساتر الدولة أمام حزب الله، سقط الكلام الذي كان يدور حول آلية وضرورة وكيفية “نزع دبس حزب الله عن طحينة الدولة”، التي لم يتبقى منها سوى هيكلها المنخور بسوسة الفساد والنهب المزمن والمنظم.
أمام هذا الواقع وجد حزب الله الفرصة سانحة له كي يتمدّد باتجاه المناطق المقفلة تاريخياً بوجهه وتحديداً في طرابلس والضنية وعكار بشمالي لبنان. وقد شكل إنفجار خزان البنزين في بلدة التليل الذي أودى بعشرات الضحايا والجرحى، أولى طلائع تمدّد الحزب عبر المساعدات التي قرّرها لذوي قتلى الإنفجار وجرحاه.
لكن التمدّد الأخطر والأوسع لحزب الله سيكون من باب توفير المشتقات النفطية كهبة للمستشفيات والمؤسّسات الإنسانية المشابهة، أو تلك التي ستكون بمتناول الجمهور وبأسعار تفضيلية مقبولة، في لحظة ترفع فيها الحكومة الدعم عن المشتقات النفطية المرتفعة الثمن رسميا وفي السوق السوداء. وهنا تتضاعف مكتسبات حزب الله جرّاء تمدّد نفوذه من جهة، وقبضه ثمن نفطه المباع كبدل عن تمويل إيران النقدي له من جهة أخرى.
ولعلّ في الآلية التي أعلنها نصرالله لتوزيع المشتقات النفطية لطالبيها يكون قد فتح الطريق واسعاً أمام تطبيع علاقات الحزب خصوصاً في البيئات الرافضة له. ما يعني أن حزب الله شكل منافساً رئيساً للقوى السياسية في معاقلها ومناطق نفوذها فضلاً عن الدولة التي بات حزب الله أكثر قدرة على توجيهها وتمكناً من دفّة قيادتها.
مسار النفط الحزبلّاهي سيمكن الحزب من إختراق بيئات رافضة له، سيتناسى بعضها خصوصاً ممّن إنضووا في حراكات 17 تشرين مقولاتهم ومواقفهم السابقة في تحميل نصرالله قبل حزبه المسؤولية عن الإنهيار الإقتصادي والمالي وعن الأمن الصحي والدوائي والغذائي الذي تسبّبت به منظومة الفساد والمال والسلطة والسلاح والتي كانت تعمل وفق معادلة “غطّوا على سلاحنا، نغطّي على فسادكم” وهي المعادلة التي تفرّعت عنها ومنها كل المصائب التي تفتك بالشعب اللبناني، ولا يمكن بأي حال لسفن النفط الإيرانية أن ترتق الفجوة الجهنمية الرهيبة التي أوقعت لبنان فيها “منظومة النيترانيوم والكابتغون”.
هذه الأحداث والتحوّلات تشكل إنعكاساً عميقاً للتوازنات الدقيقة التي ترتسم في المنطقة والعالم، سيّما بعد إنسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، كما وقرارها الإنسحاب من كامل المنطقة حيث تحاول فرنسا ملء الفراغ. وقد سمح التواصل والتفاهم بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بموافقة أميركية، مع نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي بالحديث عن صفقة فرنسية إيرانية.
وكان من نتاج “الماكريسية” حتى الآن توقيع شركة توتال الفرنسية عقداً نفطياً كبيراً مع العراق بموافقة واشنطن وطهران، وتشكيل حكومة جديدة في لبنان الذي يتسوّل جيشه بوصفه حامي حمى الكرامة الوطنية، وجبة طعامه من عديد الدول العربية والأجنبية. إنه الجيش اللبناني الذي لم يغب عن إطلالة نصرالله الأخيرة من زاوية استحضاره النادر لحادثة مسيرة حزب الله في الضاحية الجنوبية اعتراضاُ على “إتفاقية أوسلو” في 13 أيلول 1993 ويومها سقط بنيران الجيش اللبناني عشرات الضحايا والجرحى. وهو الجيش الذي يتفاخر نصرالله بأن حكمة حزب الله وتفويته للفرصة في حادثة 13 أيلول جعلته بموقع الحليف للحزب وجعلت نصرالله يوجه الرسائل غير المشفرة للجيش وداعميه معا، ويذكر معادلته حول “الجيش والشعب والمقاومة” التي لا يقرّ نصرالله بفشلها وتعثرها، رغم حادثة راجمة الصواريخ الشهيرة في بلدة شويا الجنوبية.
وسط هذا المخاض، وبزمن قياسي، وسحر ايراني فرنسي ساحر، استُولِدت حكومة “الثلث المعطّل” أو “حكومة الصهرين” لصاحبها جبران باسيل برئاسة نجيب ميقاتي الذي تشي طقوس ولادة حكومته بتسوية أين منها “التسوية المشؤومة” بين سعد الحريري وحزب الله وميشال عون.
إنها التسوية المتناسلة من “الصفقة الماكريسية” التي أُبرمت من وراء ظهر الدول العربية وخصوصاً السعودية بوصفها الراعي العربي ما قبل الأول لإتفاق الطائف، والتي يُرجح أن تُبقي أبوابها موصدة بوجه نجيب ميقاتي خصوصاً بعد مقابلته مع شبكة CNN، وكم كان ميقاتي بوصفه رمز السيادة ما بعد الأول مدهشاً بقوله “أنا حزين على إنتهاك سيادة لبنان، ولكن ليس لديّ خوف من عقوبات عليه، لأن العملية تمّت بمعزل عن الحكومة اللبنانية”.
ومن رحم نظرية “النأي بالنفس” الفارغة من كل مضمون حقيقي خصوصا بعدما أطاح حزب الله بها، ومن ثم بصاحبها. استولد نجيب ميقاتي “ثنائية الحزن والفرح”. الحزن على انتهاك النفط الايراني للسيادة اللبنانية، والفرح على تجنب لبنان من العقوبات التي أخذت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بفرضها والتلويح بفرضها على بعض الأشخاص من جديد.
لكن يا خوف مالطا من هدير البحر.
 
نقلا عن العربية 
In this article

Join the Conversation


آخرین خبرها