
إيران وأميركا: الأصابع على الزناد والرهان على الرصاصة
استراتيجية واشنطن اليوم لا تبحث عن حرب شاملة بل عن إعادة ضبط للقوة في المنطقة
سالمة الموشي
في منطق السياسة ليس السؤال من سيطلق الرصاصة الأولى (بل من سيستثمر صوتها)، إذ تبدو التساؤلات التي تدور في كواليس البيت الأبيض متبنية لمنطق واضح مفاده: “ليس هل نضرب إيران؟ بل كيف نستخدم إيران”. وبما أن هذا المشهد المعقد لا يبدأ في مياه الخليج بل تمتد خيوطه إلى ميتشيغان، عندما قال دونالد ترمب في تجمع انتخابي إن “إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، ليس في عهدي”، لم يكن يخاطب طهران بقدر ما كان يوجه رسالته لناخب أميركي قلق من صورة واشنطن المرتبكة، وفي رسالة مركبة ومبطنة تجمع بين الحزم الخارجي والطمأنة الداخلية.
غير أن قراءة تصريح ترمب بمعزل عن توقيته الانتخابي يظل تبسيطاً مخلاً للواقع، فالسيناريو الأكثر خبثاً هنا ليس الحرب، بل ما أراه أقرب للواقع هو “التوتر المستدام”، تلك المنطقة الرمادية التي تشمل حرب الظل وشد الحبال في مضيق هرمز من دون إغلاقه فعلياً، مما يسمح لكل طرف بادعاء الحزم من دون دفع فاتورة المواجهة الكبرى.
لكن كيف يبدو المشهد السياسي اليوم؟ وما الذي يمكن قراءته وعن قرب من الأحداث التي بدأت تأخذ منحى أكثر حدة مع دخول “عنصر الوقت” كضاغط استراتيجي، وحيث إن ترمب يلوح الآن بمهلة “الـ10 أيام” الحاسمة فإنه يضع المنطقة أمام اختبار حقيقي لصدقية التهديد.
في كل مرة يصعد فيها ترمب خطابه تجاه إيران يعود السؤال ذاته ليتصدر المشهد: هل ما نسمعه هو صوت أميركا كدولة، أم صوت رجل يخوض معاركه الخاصة؟ وهل هذه التهديدات تمهيد لتحول استراتيجي أم مجرد أدوات ضغط ضمن لعبة تفاوض معقدة؟ وفي قراءتي للمشهد فإن هذا السؤال يمس جوهر فهمنا للسياسة الأميركية وما إذا كانت “عقيدة ترمب الانعزالية – الهجومية” هي التي تحرك الدفة وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة العلاقة بين الفرد والمؤسسة في واشنطن. والجواب يشير بوضوح إلى أن أميركا أكبر من أي شخص، لكن هذ الشخص ربما قادر على إعادة تعريف هامش التحرك ضمن هذا الإطار.
إن أميركا نعم ليست ترمب، لكنه قادر على توسيع هامش المخاطرة داخل الإطار الذي تسمح به الدولة، فهو يضغط ويهدد ويربك الحالة النفسية للخصوم، وهو ما يتجلى اليوم في تحريك حاملة الطائرات “جيرالد فورد” لتعزيز الوجود العسكري في المنطقة كرسالة تهديد عملية ومرئية.
على رغم حدة الخطاب الذي تنتهجه أميركا فإن الاستراتيجية الأميركية اليوم لا تبحث عن حرب شاملة، بل عن إعادة ضبط للقوة في المنطقة، بحيث تكون إيران أضعف مما هي عليه من دون الوصول إلى شرق أوسط بلا ضوابط. وهنا يتضح جوهر المسألة في قدرة المؤسسات الأميركية على البقاء فوق الشخصنة السياسية في لحظة فارقة تتجه نحو إعادة تشكيل النظام الدولي، وعلى رغم أن المؤسسات ما زالت أقوى من الأفراد، إلا أن مساحة الفرد داخلها لم تعد هامشية مما يجعل المرحلة المقبلة حبلى بالمفاجآت، ليس لرغبة في الحرب، بل ربما بسبب خطأ في الحساب أو سوء تقدير.
على الضفة الأخرى في طهران يقرأ السلوك الأميركي بعقلية سياسية متزنة ربما تميل للخوف أكثر وربما الحذر، لكنها تظل حسابات دقيقة، حيث لا تفهم تهديدات ترمب كبداية حرب بل كأداة ضغط واستعراض سلطة. فالرئيس مسعود بزشكيان وممثلو السياسية الإيرانية في هذه المواجهة يحسبون كل خطوة بحذر، وكما صرح الرئيس الإيراني بزشكيان أخيراً “طهران لن تنحني أمام الضغوط الأميركية في المفاوضات النووية على رغم التهديدات وتوسع الوجود العسكري الأميركي في الخليج”، مؤكداً أن “بلاده ستصمد في مواجهة التحديات وتتعامل مع المفاوضات بحزم”، وهو ما ينسجم مع تأكيده المستمر بأن طهران “مستعدة للسيناريوهات كافة”، في رد فعل يوحي بأن إيران لم تعد تكتفي بانتظار الفعل الأميركي بل تبادر لتأكيد حضورها الميداني.
وفي هذا السياق لم تكن مفاوضات مسقط مجرد لقاء اعتيادي بل كانت كما وصفها وزير الخارجية والمعروف بلقب “مهندس الاتفاق النووي” عباس عراقجي بأنها “بداية جيدة” لتبادل وجهات النظر، مما يؤكد وجود مساحة دبلوماسية مفتوحة على رغم الضجيج، إذ تختبر طهران حدود الضغط الأميركي بذكاء، محافظة على صورتها القوية داخلياً مع إبقاء باب التفاوض موارباً لحشر واشنطن في خيارات محدودة.
إن هذه التهديدات تقرأ إيرانياً كجزء من مسرحية ضغط قد يستخدمها ترمب لرفع أسهمه أمام شعبه، بينما توظفها إيران في إعادة ترتيب أوراقها في الداخل والخارج في محاولة منها لتقليل خسائرها المتوالية. وإذا نظرنا إلى الإدارات المتعاقبة (من أوباما إلى بايدن وصولاً إلى ترمب) سنجد اختلافاً في الأسلوب لا في الغاية الاستراتيجية المتمثلة في منع إيران من التحول لقوة إقليمية. الرؤساء يتبدلون والبنية أو المبدأ يبقى، مما يتركنا أمام حقيقة أن أميركا تسعى إلى الضغط من دون مواجهة شاملة، متخذة من تصريحات ترمب أداة لاختبار صمود إيران الداخلي.
وفي تصوري لكل هذه السياقات فإن التطورات تشير إلى احتمال مواجهة قصيرة المدى (شبه سرية) يختبر فيها كل طرف حدود صبر الآخر ومنطقه السياسي من دون إعلان حرب رسمية، في ظل رهان متبادل على عدم التحرك العسكري الأكبر، مما يخلق فجوة استراتيجية قد يحولها سوء الفهم ربما إلى مواجهة فعلية. فإيران ليست على وشك الانهيار، وأميركا ليست على وشك الحرب، لكن الملف الإيراني يظل اليوم أداة تفاوض وحقل مراقبة للمؤسسات والرؤساء، في صراع قوامه الاستراتيجيات الخفية والألاعيب السياسية والتحديات النفسية على الحافة.
وهنا سأطرح سيناريو متوقعاً وليس خيالياً، فنحن قد لا نقف أمام نذر حرب، بل أمام “هندسة سياسية” بالغة التعقيد، حيث التصعيد الحالي ليس إلا ستاراً دخانياً لصفقة كبرى غير مسبوقة تبنى على أنقاض الملف النووي. يكمن هذا التوقع في احتمال اتجاه واشنطن وطهران نحو (تحالف الضرورة الرمادي)، حيث تقبل أميركا بإيران كـ”شرطي منضبط” للممرات المائية، في مقابل تخلي طهران التام عن طموحها النووي وعن وكلاء لم يعودوا يخدمون سوى استنزافها، وبذلك يحقق ترمب “نصراً تاريخياً” بإنهاء التهديد النووي من دون رصاصة واحدة، بينما تحصل طهران على “اعتراف دولي بشرعيتها الإقليمية” وبقاء نظامها في مقايضة تجعل الصراع الحالي أداة لإعادة اقتسام النفوذ في الشرق الأوسط، بعيداً من أعين الحلفاء والخصوم على حد سواء. إنها لعبة “الرصاصة التي لا تطلق”، لأن التلويح بها وحده كافياً لتغيير خريطة العالم.
نقلا عن اندبندنت عربية



