
كيف يعبر لبنان من الحرب إلى السلام؟
الحرس الثوري الإيراني وضع خطط المواجهة لجميع الساحات وأهمها جبهة "حزب الله"
وليد فارس
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن مراراً وتكراراً أن لبنان لا بد وأن يعود إلى مرحلة سيادة ذاتية كاملة، أي عبر انسحاب كامل لكل القوات الغريبة، أكانت حكومية أم ميليشيات، من كل الأراضي اللبنانية، كما جاء في القرار الدولي 1559. وتشدد إدارة ترمب على ضرورة المباشرة بمفاوضات لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل والدخول في معاهدة “أبراهام”. وقد وجهت واشنطن مبعوثي الرئاسة الأميركية إلى لبنان، إضافة إلى الدبلوماسيين الذين عينهم الرئيس، أن يشددوا على المبدأين: نزع السلاح والسلام مع إسرائيل. وقد ربطت الإدارة مساعداتها، وبخاصة العسكرية، للبنان بالمطلبين، مما خلق بعض الأخذ والرد بين واشنطن وبيروت، إلا أن سياسة ترمب حيال لبنان لا تزال تُحدَّد عبر المعادلة المذكورة أعلاه.
فالسؤال المطروح دائماً داخل لبنان وخارجه، بين المقيمين والمغتربين، يبقى ضاغطاً: كيف يمكن نقل لبنان بكامله من حالة الصراع والحرب إلى حالة السلام والأمن الحقيقي؟ لقد حاولنا لسنين عديدة أن نجيب عن هذا السؤال المركزي، ولكن في مراحل مختلفة. والواقع أن السؤال له أجوبة مختلفة بحسب المراحل، وهكذا كان الوضع منذ نهاية الحرب الباردة في 1990 وسيطرة القوات السورية على كل لبنان وقتها، مروراً بالحرب على الإرهاب بعد ضربات 2001، وصدور القرار 1559 في 2004، وانسحاب قوات نظام الأسد في 2005 بعد انطلاقة “ثورة الأرز”، وانقلاب “حزب الله” على الحكومة في مايو (أيار) 2008، واحتجاجات ما يسمى “الربيع العربي” منذ 2011، وحقبة “داعش”، والمواجهات بين “حزب الله” و”داعش”، وحرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والأهم الحرب الإيرانية الإسرائيلية ونتائجها على لبنان، مما يُدخلنا في المرحلة الحالية حيث تبدلت الظروف في لبنان والمنطقة وأميركا. والحلول لا بد وأن تعبر هذه الوقائع الجديدة.
على صعيد المنطقة، حققت إسرائيل وإدارة ترمب نتائج عسكرية خلال حرب الـ12 يوماً أضعفت النظام الإيراني استراتيجياً إلى حد بعيد، ولكن الضربات الموجعة، بما فيها تدمير المفاعلات النووية، لم تُسقط النظام. فالجمهورية الإسلامية أُصيبت بقوة، لكنها لم تزل قائمة ومسلحة وذات نفوذ. وقد كرست نصف عام لإعادة التسليح ودعم الميليشيات، وتعميق التحالف مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وصولاً إلى ربط دبلوماسي أقوى مع دول عربية وشرق أوسطية، كتركيا ودول الخليج، التي رفضت أي ضربة عبر أجوائها لإيران. إلا أن تطوراً كبيراً ضرب النظام منذ أسابيع مع اندلاع ثورة شعبية داخلية راح ضحيتها أكثر من 30 ألف قتيل حتى الآن. فأعلن ترمب دعمه لها، لكنه امتنع عن توجيه ضربة لسلطة طهران حتى الآن. لذا فالجمهورية الإسلامية تقع بين احتمالين: إما مواجهة إقليمية شاملة مع أميركا وإسرائيل، أو محادثات طويلة تُبقي الوضع على “الستاتيكو” الحالي.
في هذه المعادلة، ينعكس الوضع على لبنان بشكل واضح، فالحرس الثوري الإيراني قد وضع خطط المواجهة لجميع الساحات، وأهمها جبهة “حزب الله” داخل الجمهورية اللبنانية. فالميليشيات الخمينية في بلاد الأرز، وقد خسرت جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية وعدداً كبيراً من قياداتها، هي أيضاً اعتمدت استراتيجية “المركبة الأم” في طهران، أي الاستمرار في التفاوض مع الدولة اللبنانية والأحزاب المعارضة “للضاحية” أو “الثنائي الشيعي”، وإطالة المحادثات من ناحية، والتشدد بعدم القبول بالتخلي عن السلاح، ومن ناحية ثانية استيراد أسلحة جديدة، وبناء مستودعات ومراكز تحت الأرض، وتجهيز خلايا وشبكات لخوض معارك، إضافة إلى وجود خارجي في عدة دول.
ويلخص مسؤولو الحزب علناً أنهم لا ولن يتفاوضوا على نزع سلاح ميليشياتهم، أياً كان الوضع وتحت أية شروط. وقد خلق ذلك تعقيداً مع الحكومة اللبنانية ومع الجيش. فواشنطن تطلب من السلطة اللبنانية أن تسحب سلاح الحزب، وهذا الأخير يهدد بحرب أهلية إذا حاول الجيش. والحكم اللبناني يتبع سياسة التأني، لأنه لم يسمع كلاماً حاسماً من الأميركيين حول “ضمان” حسم الموقف مع “حزب الله”. والإدارة لا تريد فتح معركة مباشرة مع إيران في لبنان قبل أن تتأكد من موضوع احتمال اتفاق الربع الساعة الأخير مع طهران، أم البدء بحملة عسكرية على الميليشيات الخمينية، وأهمها الحرس الثوري والباسيج. فإذا انفجرت في إيران فستنفجر في المنطقة، وفي لبنان خصوصاً.
وإذا حصل اتفاق بين ترمب والنظام، أو حتى صفقة مشروطة، فقد يصبح صعباً على إسرائيل وأميركا، وبخاصة الجيش اللبناني، أن يبادر بأي عمل ضد الحزب، خوفاً من انقسامات داخل صفوف المؤسسة العسكرية اللبنانية ومحاولة الحزب أن يسيطر على المؤسسات في البلد. فأدى ذلك إلى إطالة “الستاتيكو” أكثر من ستة أشهر بعد انتهاء الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وانفجار الثورة الجديدة في إيران، وتردد واشنطن بين توجيه ضربة أو الحصول على صفقة. فالسلطة اللبنانية جمدت تحركها حتى اتخاذ إدارة ترمب قرارها حيال إيران. فإذا تم التغيير في طهران، ستتحرك الدولة في لبنان لتضغط على الحزب، لكنها لن تحسم ما دام هناك قوة لديها صواريخ؛ أي، بكلام آخر، فبيروت ستنتظر واشنطن أو حتى إسرائيل لمعالجة الحزب.
إلا أن هناك سيناريوهين من الممكن أن يغيرا الوقائع على الأرض. الأول دخول الحكم السوري، مباشرة أو غير مباشرة، إلى لبنان ودعم الميليشيات الإسلامية السنية، وبخاصة جماعة “الإخوان المسلمين”، واشتباكهم مع “حزب الله” و”حركة أمل” قبل أو خلال أو بعد صدام إسرائيل مع الحزب. في هكذا وضع، قد تقوم إسرائيل بضرب القوى المرتبطة بإيران من ناحية، لكنها تقوم بدعم الدروز وأقليات أخرى في سوريا من ناحية أخرى. ولكن ذلك سوف يرتبط بقرار واشنطن ضد إيران، مع نتائج مرتبطة بهكذا قرار.
أما السيناريو الآخر، فقد يكون ما ذكرناه مراراً، وهو أن يقوم الجيش اللبناني بإخراج كل الميليشيات من بيروت الإدارية وجبل لبنان، وإعلانها منطقة حرة مرحلية، وترك الخمينيين والسلفيين يتقاتلون في باقي لبنان، حتى يتقرر مصير إيران ويرتد ذلك على الجمهورية اللبنانية. ولكن القرار الأميركي قد لا يحسم الموضوع بسرعة في بلاد فارس، لكنه قد يسبق التوقعات ويأتي كالبرق ويغير الأوضاع. مصير لبنان مرتبط بالغرفة البيضاوية، وبعناد الإيرانيين في الشوارع، وبثورة أرز جديدة.
لنرَ.
نقلا عن اندبندنت عربية



