
تأجيل معركة إيران هل يعني إعادة نظر في نهج ترمب؟
روسيا تدخلت لحماية طهران فهل تفعل الشيء نفسه في كوبا؟
طوني فرنسيس
لم تنته قصة الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وضمناً إسرائيل، بمجرد تأجيل الضربة التي تصاعد الحديث عنها مطلع الأسبوع الماضي، لكن هذا التأجيل، والملابسات التي أحاطت به، والاتصالات التي واكبته وأدت إليه، فتحت الباب أمام التفكير بمسارات أخرى محتملة لحل النزاعات القائمة عن غير طريق القوة المجردة.
لقد أرجئ التدخل الأميركي في إيران إلى أجل غير مسمى، نتيجة عوامل عدة تحدثت عنها صحف ووكالات أنباء بارزة. وأوردت تلك المصادر أن السعودية ومصر وعُمان وقطر تدخلت لمنع التصعيد واللجوء إلى الحوار، كذلك روسيا مارست دوراً في تهدئة الأوضاع خصوصاً مع إسرائيل.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدث خلال 24 ساعة على التوالي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فيما أجرى نتنياهو وترمب اتصالين خلال 48 ساعة حول الموضوع نفسه وفي الفترة نفسها، ليتردد بعد ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي انضم أيضاً إلى ناصحي الرئيس الأميركي بالتريث في الانخراط بأي عمل عسكري ضد النظام الإيراني.
في الأثناء، روت “واشنطن بوست” أن مسؤولين إسرائيليين وإيرانيين تبادلوا الرسائل عبر روسيا بعدم المبادرة إلى شن هجمات على الطرف الآخر، وقال مسؤولون للصحيفة إن إسرائيل تسعى إلى تجنب الظهور كجهة تقف وراء التصعيد مع إيران في وقت تستعد فيه لعملية عسكرية ضد “حزب الله”.
في هذه المرحلة أدت روسيا دورها في حماية إيران بمقدار ما لعبته في حماية إسرائيل من تداعيات الانفجار.
والواقع أن سؤالاً كبيراً طُرِح في موسكو حول كيفية تعاملها مع الأزمة في طهران وكان الجواب حسب صحيفة “أوراسيا ديلي” الروسية أن روسيا وإسرائيل “تجمعهما علاقة خاصة وتسعيان إلى مراعاة مصالح بعضهما بعضاً قدر الإمكان، لم يمنع ذلك موسكو من الاعتراف بفلسطين أو التدخل في سوريا، بل كان التنسيق الروسي الإسرائيلي في شأن سوريا جلياً.”
لكن عندما طرح مصير النظام الإيراني على بساط البحث “تغيّر الوضع بصورة جذرية”، تقول الصحيفة الروسية قبل أن تخلص إلى نتيجة مفادها بأنه سيكون “من الصعب تصديق الوصول إلى قطع كامل للعلاقة مع إسرائيل، التي تربطها علاقات جيدة بالنخبة الروسية الحاكمة”، على رغم أن “إسقاط النظام في إيران سيكون ضربة لأمن روسيا ولوضعها الجيوسياسي”. الأولوية الروسية هي أمن إسرائيل كما يُفهم من الصحيفة الروسية ومن مسار قديم لعلاقة موسكو بوتين بتل أبيب ونتنياهو خصوصاً، لكن روسيا لم تكن وحدها.
لقد تدخل إلى جانبها كثر، لتهدئة الموقف، الصين تمسكت بـ”القانون الدولي” وعدم حل النزاعات بالقوة، وهو ما كرره بوتين في لحظة تناسٍ لأوكرانيا، وفعلته دول أوروبية كثيرة كانت تتحسس رؤوسها إزاء رغبة ترمب الشديدة بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند الأوروبية الدنماركية.
هدأ ترمب فعلاً، لكن ليس لاقتناعه بأولوية القانون الدولي، فهو لا شيء يقيّده سوى “أخلاقياته الخاصة” حسبما قال في تصريحات في الفترة الأخيرة، وأخلاقياته الخاصة تعني في الترجمة العملية الاحتكام إلى حسابات الربح والخسارة ثم الاستناد إلى موازين القوى.
في لحظة إبداء ترمب رضاه عن “وقف الإعدامات” في إيران وتراجع “مؤشر البيتزا” في نطاق البنتاغون، بدا أن هناك فرصة لمفاوضات حدد الجانب الأميركي شروطها مسبقاً، ورسائل إيرانية يمكن أن توحي باستعداد للمساومة، على رغم خطاب التوتر للمرشد علي خامنئي واتهامه الأميركيين والإسرائيليين بالتسبب في مقتل “آلاف الإيرانيين”.
في الخلاصة المباشرة أرجئت معركة إيران بعد أيام شديدة التوتر، من دون أن تُحذف نهائياً من جدول الأعمال الأميركي، ولا من خطط ترمب، ومع ذلك لا يمكن إغفال الحركة السياسية الإقليمية والدولية التي واكبت التهدئة وقادت إليها. وفي هذه الظروف، هل يمكن التكهن بتغيير في منهج ترمب تجاه إيران وغيرها من الأزمات، وكيف ستكون رؤيته خلال المرحلة المقبلة للحلفاء والخصوم؟
في أحاديثه المتلاحقة، لم يُظهِر الرئيس الأميركي تراجعاً عن موقفه من النظام الإيراني ودوره في زعزعة الإقليم أو في قمع شعبه، لكنه، بعد غزوة فنزويلا، طرح على نفسه أسئلة عن مستقبل الحكم في الدول المستهدفة. استشهد بتجربة العراق وكيف حلّ الأميركيون الجيش والجهاز الإداري ليحل محلهما الإرهاب ممثلاً بـ”داعش” والإرهاب، وفي فنزويلا تفادى تكرار التجربة العراقية ليلجأ إلى إبقاء رموز النظام في مواقعهم أملاً بتعاون في إدارة بلاد من دون الرئيس نيكولاس مادورو وإرثه. اتضح أن ترمب يستفيد من نظرية نابليون بونابرت القائلة إنه يمكن “للحراب أن تقودك إلى السلطة، لكن لا يمكنك الجلوس عليها”. سؤال فنزويلا سبق إيران، وفي حال إيران سيكون أكثر حدة، من يرث ومن يحكم ومن هو البديل؟ هل يكون نظاماً جديداً بالكامل؟ ومن هي القوى التي يتشكل منها؟ أم سيكون الغرق في الفوضى هو الطريق الوحيد؟ هذه الأسئلة طرحت أمام إدارة ترمب كما طرحها المتخوفون من فوضى شاملة في الشرق الأوسط، مما أدى في النتيجة إلى خفض التصعيد من دون إلغائه نهائياً وفتح الباب جزئياً أمام العودة إلى طاولة المفاوضات، ومثلما أسهمت المداخلات الإقليمية والدولية في إرجاء “حرب إيران الثانية”، يمكن للحسابات نفسها أن تكبح طموحات ترمب المستعجلة في شأن كوبا وغرينلاند ومحطات أخرى في أميركا اللاتينية.
ستصطدم مشاريع إسقاط النظام في كوبا بالاتفاق التاريخي بين الاتحاد السوفياتي (روسيا اليوم) والولايات المتحدة مطلع ستينيات القرن الماضي، الذي بموجبه سحب الاتحاد السوفياتي صواريخه النووية من الجزيرة مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل الأميركي في شؤونها. وفي غرينلاند، اصطدمت طموحات ترمب بموقف أوروبي معارض وبخطر التهديد بنسف أسس قيام حلف الأطلسي، ويعرف الأميركيون أن روسيا سترحب بانهيار الـ”ناتو” وبإضعاف الموقف الأوروبي، بل هي ستذهب أبعد من ذلك، مستندة إلى “التوسع” الأميركي لتبرير احتلالها الكامل أوكرانيا، وربما بلداناً أخرى في الفضاء السوفياتي السابق، ولن تكون الصين أقل شهية، ففي عالم يقضم فيه القوي الضعفاء تحت شعارات الأمن الاستراتيجي وحماية المصالح، لن تحول أي موانع أمام وضعها يدها نهائياً على تايوان وإلحاقها بالأرض الأم.
أجمعت تقييمات المحللين، عشية مرور عام على تولي ترمب منصبه، أن الرجل هزَّ أركان النظام العالمي وأعاد إحياء مفهوم مناطق النفوذ التي تحددها القوى الكبرى. ويقول هؤلاء في تقرير لوكالة “رويترز” إنه “في حين أزعج هذا النهج بعض حلفاء أميركا، إلا أنه قد يخدم أيضاً مصالح روسيا والصين”، وفي المقابل تعيش أوروبا “الديمقراطية”، الحليفة التاريخية لأميركا، في حال اضطراب، بحيث يضطر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي سخر ترمب منه، إلى إرسال جيشه إلى غرينلاند، فيما اتهم نظيره الألماني فرانك والتر شتاينماير أميركا بـ”انهيار القيم”، ودعا إلى عدم السماح بتفكك النظام الدولي إلى “أوكار لصوص”.
كان ديمتري مدفيديف الرئيس الروسي السابق وبديل بوتين التقليدي، الأكثر سروراً بالنزاع بين ضفتي الأطلسي، فهدد بدمار نووي للعواصم الأوروبية، لكن بوتين نفسه لم يكن أقل سخرية من الأوروبيين الذين لن “يجدوا مراحيض عند الحاجة”.
حصل كل ذلك قبيل وعد ترمب للإيرانيين المنتفضين أن الدعم الأميركي قادم وهو في الطريق، ثم تغيرت الأمور فجأة فصار للوساطات العربية والروسية والمواقف الصينية والأوروبية وزنها، فهدأت طبول الحرب.
في النتيجة، لن يسعنا القول إن السياسات ستذهب في اتجاه التسويات، وإن النظام الإيراني القمعي التوسعي قد نجا بفعلته، لكن ما يمكن الجزم فيه هو أن ملامح جديدة لتعاون دولي قد نشأت في شأن إقليم الشرق الأوسط، لن تصبح واقعاً سوى بعد امتحانها في مسار إيران المقبل، ومسار إسرائيل أيضاً في تعاملها مع مستقبل غزة ورؤيتها للحل الفلسطيني، وفي الأثناء، ستظل سياسة ترمب ونهجه وقانونه العالمي في مركز الحدث لأعوام ثلاثة مقبلة في الأقل.
نقلاً عن اندبندنت عربية



