قاتل هشام الهاشمي .. “حشدي” يحبّ المهندس ويتبنّى روايات الخزعلي

محمد السلطاني

بعد كل عملية اغتيال كانت تطال ناشطاً عراقياً مناهضاً للنفوذ الإيراني والميليشيات، كاغتيال الإعلامي أحمد عبدالصمد في البصرة، أو هشام الهاشمي في بغداد، أو إيهاب الوزني في كربلاء، كانت الجماعات الإلكترونية والإعلامية المرتبطة بإيران و”الحشد الشعبي”، تردد عبر صفحات التواصل، وشاشات التلفاز، رواية مُنسّقة وموحّدة، تتهم فيها الولايات المتحدة أو اسرائيل أو الإمارات أو السعودية، أو النشطاء أنفسهم بتنفيذ عمليات الاغتيال، وتبرئ ساحة المجاميع المرتبطة بـ”الحشد الشعبي” وإيران من العمليات الدموية.

على الضفة الأخرى، لم يكن لدى تيار الشباب المناهض للنفوذ الإيراني في العراق، أية شكوك حول وقوف الميليشيات المرتبطة بإيران خلف عمليات اغتيال النشطاء، فالحملات كانت تنطلق برِتم واحد، يبدأ باتهام النشطاء الشيعة بأنهم “شيعة السفارة الأميركية”، والسنّة بأنهم “إرهابيون”، والمسيحيين بأنهم عملاء للولايات المتحدة، ثم تنتهي إلى عمليات التصفية الجسدية، ليأتي دور الماكنة الإعلامية المرتبطة بإيران والحشد الشعبي، في إثارة الأسئلة ورمي الكرة بعيداً نحو الإمارات أو تل أبيب أو أي طرف يقرر صانع الخطاب الإعلامي الحشدي إقحامه كيفما اتفق، و”دون جمرك على الكلام” كما يقول المثل العراقي.

في آب (أغسطس) الماضي، أي بعد أسابيع قليلة على اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي، قال زعيم جماعة “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، إن “هناك 23 مجموعة تم تدريبها في الأردن على يد المخابرات الأميركية لتنفيذ الاغتيالات في مناطق الوسط والجنوب تطبيقاً للمشروع الإسرائيلي، ومن أجل أن يتم اتهام الحشد الشعبي والمقاومة بتلك الجرائم”.

ولو جعلها الخزعلي 9 مجاميع على سبيل المثال، أو 26 أو كما أراد، لما كان هنالك بأس، ولو قال إن مخابرات قبرص ودولة جُزر القمر، جزءٌ من المؤامرة، لمرّت الرواية بسلام أيضاً، فحديث زعماء الميليشيات في العراق، حاصلٌ على “الإعفاء الشامل” من المساءلات القضائية، كما أنه مُصان من المشاكسة الصحفية، خاصةً وأن حديث تلك “الزعامات” يتم في بغداد، ومع صحفيين عراقيين يعمل معظمهم في مؤسسات إما تمولها إيران والميليشيات، أو تقع تحت طائلة الصواريخ والكواتم، وليس من “اللباقة” إذن، أن يسأل المحاور ضيفه “المقاوم” عن الدليل على تلك الروايات، بل يكتفي الإعلامي -كما هي العادة- بهز رأسه إشارةً إلى الموافقة، أو توسيع حدقتيه ورفع حاجبيه، دهشةً من “المعلومات الخطيرة” التي يدلي بها “الزعيم المقاوم”، ولا يعرفها أحدٌ غير أقرانه في “محور المقاومة”.

بالعودة إلى قاتل هشام الهاشمي، بدا البيان الحكومي “مختنقاً”، كمخطوف يحاول أن يومئ للشرطة عن مكان تواجده عبر الهاتف، دون استفزاز الخاطفين.
اعترفت وزارة الداخلية بكل صراحة، بأن قاتل الهاشمي، ضابط تابع لتشكيلات الوزارة، لكنها عادت لتستخدم مصطلحاً يعرفه العراقيون حين أرادت الإشارة إلى انتمائه الثاني، حيث جاء في بيان الوزارة إن المتهم المُعترف بجريمته “أحمد حمداوي عويد معارج الكناني” ينتمي إلى “مجموعة ضالة خارجة عن القانون” وهو الوصف الذي تستخدمه السلطات العراقية حين تريد الإشارة إلى الجماعات المسلحة الشيعية، بينما تستخدم عبارة “إرهابي” في وصف التنظيمات ذات الأصول السنية.

“الإيماءة” الثانية التي وردت في بيان الداخلية، كانت بتسمية أماكن تجمع وانطلاق مجموعة اغتيال الهاشمي، فرغم أن السلطات حجبت الكثير من المعلومات و”منتجت” الاعترافات لتبدو “ودودة قدر الإمكان” مع “الجماعة الضالة الخارجة عن القانون” إلا أن السلطات سمحت ببيان خط سير وتنقل الجماعة المسلحة أثناء وبعد تنفيذ العملية، ومن بينها نقاط كمدينة الصدر، وشارع فلسطين، ومنطقة “آلبوعيثة”، والأخيرة، منطقة زراعية في أطراف بغداد، ذاع صيتها في حزيران (يونيو) من العام الماضي، حين اكتشفت السلطات فيها مقراً لفصيل كتائب حزب الله، واتهمت عناصره بإطلاق الصواريخ ضد المنطقة الدولية “الخضراء” وسط العاصمة.
التقط النشطاء العراقيون الإيماءتين الحكوميتين، وبينما هاجم الكثير الحكومة العراقية، لجهة عدم افصاحها عن هوية واسم “الجماعة الضالة الخارجة عن القانون” التي ينتمي إليها الكناني، المتهم بقتل الخبير الهاشمي، غاص آخرون في صفحات “فيسبوك” وعثروا على صفحتين تعودان للمتهم.

وخاض نشطاء تقنيون عراقيون، سباقاً مع الزمن، فبينما كانوا يقومون بعملية تصوير منشورات المتهم الكناني وتعليقاته وتوثيقها، كانت جهات أخرى تحاول إغلاق الصفحتين وإخفاء محتواها، وهو ما حصل فعلاً بعد ساعات، لكن ليس قبل أن يتم توثيق العشرات من المنشورات والصور، التي تُظهر اتجاه المتهم وطبيعة تغذيته السياسية.

لكن، ولسوء حظ زعيم “حركة العصائب “قيس الخزعلي، وبقية الجماعات الإعلامية المرتبطة بإيران و”الحشد الشعبي”، فإن المتهم وفقاً لمنشوراته، لم يكن “اسرائيلي الهوى، ولا إماراتي التدريب، ولا سعودي التمويل، ولا أميركي الميول” كما كانت تفترض الرواية الحشدية، بل وضع في صفحته صورة لـ “عماد مغنية” وامتلأت منشوراته بمشاعر “الشوق للقاء نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق أبو مهدي المهندس، والفخر بمقاتلي الفصائل، والاحتفال بتمرير قانون الحشد الشعبي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، والتفاؤل بالصلح بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيم حركة عصائب اهل الحق قيس الخزعلي” فضلاً عن “تبادل التبريكات” الذي رصده المتابعون بين حسابه، وحساب أحد أقربائه العشائريين، والذي ظهر أمام صورة كبيرة لشعار حركة عصائب أهل الحق، وتغنيه بشخصية “المختار الثقفي” التي جرى إحياؤها إيرانياً عبر مسلسل مدبلج، وتسويقها إلى الجمهور العراقي عبر بثها في سلسلة فضائيات تابعة للفصائل المقربة من إيران، إبان سنوات التصعيد الطائفي.

وعلاوةً على ذلك، تكشف المنشورات المصورة التي وثقها النشطاء، أن الكناني –الذي قتل أحد أهم الخبراء العراقيين في مجال الأمن والسياسة- كان قد ساهم شخصياً في ترويج نظريات الفصائل الحشدية، التي “تتهم جهات دولية عربية وأميركية باغتيال النشطاء لإلصاق التهمة بالحشد الشعبي”، حيث كتب تعليقاً على اغتيال الناشطة رهام يعقوب في البصرة “المستفيدون من العملية يريدون الصاق التهمة بالحشد الشعبي المقدس”.

وتبقى المفارقة التي تكشفها اعترافات الكناني، هي أن الخبير الهاشمي، قد قُتِل بـ”سلاح الدولة”، فالقاتل الذي يظهر في الفيديو الشهير، كان يحمل سلاحين، أحدهما يسمى “الغدارة” وهو السلاح الذي حصل عليه من جماعته المسلحة، والذي توقف عن العمل لحظة تنفيذ الجريمة، ليستعين بسلاحه الآخر، “مسدس كلوك” الذي كان قد حصل عليه من وظيفته الحكومية كضابط -ملازم أول- في الداخلية العراقية.

وتسلط قصة انتماء قاتل الهاشمي إلى وزارة الداخلية العراقية، الضوء على ملف كبير وشائك، طالما حذر منه مناهضو النفوذ الإيراني في العراق، وهو مدى صعوبة التفريق بين سلاح وعناصر الدولة، وبين المندسين والمنخرطين في أجهزة الدولة الرسمية، من الذين يدينون بالولاء لميليشياتهم وتنظيماتهم العقائدية العابرة للحدود، حيث سيطرت منظمة سياسية معروفة طيلة سنوات على وزارة الداخلية، وأدارها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالوكالة سنوات عديدة.
وتواجه الوزارة اتهامات عديدة، بلغت ذروتها مع اندلاع تظاهرات تشرين الأول (اكتوبر) 2019، بتورط ضباطها في انتهاكات ضد المتظاهرين، كما يقول ناشطون أن عناصر الميليشيات كثيراً ما كانوا يرتدون زي الوزارة أثناء تنفيذ عمليات الاعتقال والقمع، الأمر الذي يضع سلوك وتوجهات قيادات وعناصر الوزارة في دائرة الشكوك، فيما يطالب ناشطون معارضون بشكل مستمر، بإخضاع الوزارة إلى حملة “تطهير” وفحص لولاءات ضباطها وعناصرها، والتحقق من تبعياتهم للخارج أو للميليشيات المحلية.

نقلا عن النهار

In this article

Join the Conversation


آخر الأخبار