أهم الأخبارمقالات

الرجل الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط

 

بندر الدوشي

قليل من الكتب ينجح في أن يتحول إلى شهادة على لحظة تاريخية فاصلة، وكتاب الصحافية الأميركية المخضرمة كارين إليوت هاوس: The Man Who Would Be King: Mohammed bin Salman and the Transformation of Saudi Arabia (الرجل الذي سيغدو ملكاً: محمد بن سلمان وتحول المملكة العربية السعودية) واحد من تلك الأعمال التي لا تقف عند حدود التوثيق الصحافي، بل تسعى إلى تقديم قراءة معمّقة لمسار دولة تعيد تعريف ذاتها، وقيادة تصوغ ملامح مستقبل إقليمي وعالمي جديد.

هاوس، التي تابعت التحولات السعودية لأكثر من أربعة عقود ونالت جائزة “بوليتزر” عن تغطياتها الدولية، إضافة إلى جائزة نادي الصحافة الأجنبية في نيويورك (Overseas Press Club Award)، وجائزة إدوين إم. هود (Edwin M. Hood Award) للتقارير الدبلوماسية، تعد من أبرز الأسماء الغربية التي واكبت المنطقة بعمق. خبرتها الممتدة بين الصحافة والتحليل الاستراتيجي تجعل قراءتها للتحولات السعودية شهادة غربية ذات وزن. وهي ترى في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نموذجاً لقيادة عربية مختلفة، اختارت أن تبني رؤية استراتيجية شاملة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.

فالمملكة، من منظورها، تتحول من دولة نفطية إلى قوة عالمية صاعدة، عبر رؤية 2030 ومشروعات كبرى مثل نيوم وذا لاين، وعبر إصلاحات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة تستجيب لطموحات الشعب الشاب الذي يشكل غالبية المجتمع.

وتخصص هاوس مساحة مهمة لتحليل البعد الاقتصادي لرؤية 2030، مؤكدة أن المشروع ليس مجرد شعار إصلاحي، وإنما خطة عمل استراتيجية تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي والتحرر من الاعتماد على النفط. وتشير إلى أن التحولات المرتبطة بالتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة تمنح المملكة موقعاً ريادياً جديداً في الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.

أما على المستوى الاجتماعي، فتصف الإصلاحات بأنها “ثورة هادئة” منحت الشباب والمرأة أدواراً محورية في صياغة مستقبل البلاد. ومن دور السينما وتنظيم الفعاليات الرياضية والثقافية الكبرى، إلى تمكين المرأة في مواقع العمل والقرار، تؤكد هاوس أن هذه التغييرات ليست شكلية بل بنيوية تمس عمق المجتمع.

سياسياً، تتوقف هاوس عند حملة مكافحة الفساد باعتبارها لحظة تأسيسية في بناء دولة حديثة أكثر صلابة، فهي ترى أن ولي العهد اختار نهج القرارات الصعبة حتى وإن أثارت جدلاً داخلياً أو خارجياً، لضمان سرعة الإنجاز وترسيخ الاستقرار.

كما تسلّط هاوس الضوء على السياسة الخارجية السعودية التي اتسمت بالبراغماتية والفاعلية في السنوات الأخيرة، من تعزيز موقع المملكة في أسواق الطاقة العالمية، إلى دورها المتنامي في قضايا الإقليم والدبلوماسية الدولية. وهنا، بحسب هاوس، تتضح صورة السعودية كدولة لا تكتفي برد الفعل، وإنما اختارت أن تكون مبادرة في صياغة المسار الإقليمي والدولي.

لقد كان نجاح السعودية الدبلوماسي في إقناع أكثر من 142 دولة بالاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، ثمرة هذا التحول وجسد قدرة الرياض على صياغة مواقف تاريخية من خلال الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم والشراكات الاستراتيجية (كما حدث مع فرنسا في الملف الفلسطيني).

وفي الحقيقة، يكتسب هذا الدور المتنامي بعداً إضافياً إذا ما استُحضر ما قاله هنري كسنجر في مقابلة مع مجلّة الإيكونوميست عام 2023، حين شدد على أن الولايات المتحدة ما لم تحدد بوضوح “ما الذي لن تسمح به، وما الذي تريد تحقيقه” في الشرق الأوسط فإنها ستواجه خطر “الانجراف”! يعكس هذا التحذير جوهر المشكلة في المنطقة، وهي غياب القيادة الاستراتيجية القادرة على صياغة رؤية متماسكة، وهو ما تحاول السعودية اليوم أن تقدمه عبر سياساتها ومبادراتها الإقليمية والدولية.

والحال أن هذا التحول لم يغب عن أنظار مراكز الأبحاث الغربية. فقد كتب السفير الأميركي السابق في الرياض روبرت جوردان عام 2024 أن “ما يقوم به محمد بن سلمان هو أكبر عملية إعادة هيكلة سياسية واقتصادية في تاريخ المملكة”. وفي تقرير نشره Atlantic Council في مايو 2025 بعنوان “Saudi Arabia’s Strategic Leap”، أشار الباحث فريدريك كيمب إلى أن المملكة “تتحول من دولة نفطية إلى دولة قيادية في الابتكار الإقليمي، وهو تحول لم تشهده المنطقة منذ عقود”.

ما يميز قراءة كارين هاوس أنها لا تكتفي بتتبع الإصلاحات أو استعراض القرارات، بل تحاول أن تلتقط لحظة مختلفة في تاريخ السعودية، لحظة يقود فيها ولي العهد مشروعاً واسعاً يمس الاقتصاد والمجتمع والسياسة في وقت واحد. والكتاب بهذا المعنى، يظهر أن هذا التحول السعودي ليس شأناً داخلياً، بل خيار له أثر مباشر على مستقبل المنطقة. وهنا تكمن أهمية ما تكتبه هاوس، وهي أنها ترى في ولي العهد محمد بن سلمان قائداً يختبره الزمن على أكثر من جبهة، ويخوض معركة بناء داخلية بينما يتعامل مع محيط إقليمي يزداد تقلباً.

نقلاً عن العربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى