
هل يبدو سيناريو إضعاف النظام الإيراني أفضل للشعب الأحوازي؟
رحيم حميديتابع الشعب العربي الأحوازي، شأنه شأن شعوب وقوى أخرى واقعة تحت هيمنة النظام الإيراني، الضربات المتتالية التي يتلقاها هذا النظام. ومع كل ضربة، تزداد القناعة بأن النظام لم يعد بالقوة نفسها، وأننا نعيش مرحلة الانحدار البطيء، التي تُعد، من زاوية نضالية، لحظة نادرة في عمر الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الإيراني. وتعيد هذه المرحلة إلى أذهان المتابعين، وخاصة داخل المجتمع الأحوازي، تجربة العراق في تسعينيات القرن الماضي، بعد هزيمته في حرب الكويت.
لقد دخل النظام العراقي آنذاك مرحلة الضعف والتآكل، حيث خسر هيبته الإقليمية والدولية، وخضع لحصار خانق، ما أضعف مؤسسات الدولة وأشعل التناقضات الداخلية، ومهّد في النهاية لإسقاطه في 2003. وبين لحظة الهزيمة في 1991 ولحظة السقوط في 2003، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، أهمها، بالنسبة للأكراد، تشكل كيان إداري سياسي شبه مستقل في إقليم كردستان، استثمر لحظة الفراغ، وشرع في بناء مؤسسات حكم ذاتي، تحولت لاحقا إلى تجربة فدرالية واسعة. هذه المقارنة ليست تكرارا ميكانيكيا، فلكل حالة سياقها الخاص، لكن الدرس الذي يمكن استخلاصه، وبالذات بالنسبة للشعب الأحوازي، هو أن لحظات ضعف المركز هي فرص الأطراف.
فحين يتراجع النظام ويخسر زمام المبادرة، تبرز الهويات المكبوتة، وتنشط القوى السياسية، وتعلو مطالب تقرير المصير، ويبدأ الناس في إعادة تصور مستقبلهم خارج قبضة الدولة المركزية.
وإذا كان إضعاف النظام الإيراني لا يعني بالضرورة سقوطه السريع أو قيام دولة أحوازية مستقلة غدا، لكنه لحظة استراتيجية يجب ألا تُهدر. فالنظام الإيراني، بطبيعته الأمنية المركزية، لا يمنح الأطراف والشعوب غير الفارسية أي مساحة للتنفس إلا إذا أُجبر على ذلك. وهذه اللحظة، أي لحظة الضعف، هي التي تمكّن الشعوب من إعادة تشكيل قواها وتنظيماتها، وتجديد خطابها السياسي، وبناء الثقة الذاتية.
من هنا، فإن المشهد الراهن في إيران الذي يوحي بإضعاف النظام، يمثل فرصة للشعب الأحوازي، ليست فقط من أجل تعزيز الوعي القومي، بل لتنظيم المؤسسات المدنية والسياسية، والانخراط في معادلة القوى الإقليمية والدولية كلاعب لا كضحية.
أما النقاش الدائر اليوم في أوساط النخبة الأحوازية يجب ألا يقتصر على فكرة التحرير الكامل فقط، وإنْ ظلت هدفا مشروعا، بل يجب أن ينفتح أيضا على سيناريوهات أخرى مثل الفدرلة، أو الحكم الذاتي، داخل إيران الضعيفة.فتجربة الاتحاد السوفييتي، على سبيل المثال، لم تبدأ بتفكك كامل من أول ضربة، بل سبقتها مراحل من التسيب واللامركزية الطوعية التي مهّدت للانفصال لاحقا. وهذا ما يمكن أن يحدث في إيران، حين تعجز السلطة المركزية عن السيطرة الفعلية على أطرافها، فيبدأ الحكم المحلي يفرض نفسه كأمر واقع.
في هذا السياق، يمكن للأحوازيين، على غرار أكراد العراق في التسعينيات، أن يفرضوا مناطق إدارة ذاتية فعلية، ولو تحت عنوان إنساني أو أمني أو إداري، ثم تتوسع هذه المناطق وتنضج سياسيا، ويُعاد إنتاج الخطاب من مطالب حقوقية إلى حقوق قومية، ومن ثم إلى حق تقرير المصير.
وهنا لا بد من التحذير من القوى
الإصلاحية العربية في الأحواز، التي هي جزء من النظام الآخوندي، ووجوب نبذهم ونبذ فكرتهم عن الإصلاح الديمقراطي أو جمهورية جديدة بلا خامنئي. لأن من دون الاعتراف بجذور المسألة القومية، ومن دون إعادة صياغة العقد الاجتماعي الإيراني بما يضمن حقوق الشعوب غير الفارسية، فإن أي تغيير في النظام سيبقى شكلانيا. ومن هنا، يبدو سيناريو الإضعاف
والتفكك، برغم مآلاته غير المضمونة، أقرب للعدالة القومية، من سيناريو الإصلاح من الداخل.
إن ما يحتاجه الشعب الأحوازي اليوم ليس فقط مراقبة ضعف النظام، بل تحويل هذا الضعف إلى مشروع سياسي عملي، عبر تشكيل جبهة سياسية موحدة، واستعادة الوعي القومي، والانفتاح على القوى الإقليمية والدولية، باعتبار أن مسألة الأحواز ليست داخلية إيرانية، بل قضية استعمار مستمر.



