
36 ألف قتيل في عامين؟ تقرير مروع عن استخدام القوة المميتة لقمع الاحتجاجات
في ظل موجة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اجتاحت إيران منذ نهاية عام 2025، كشف النظام الإيراني مرة أخرى عن وجهه القمعي الحقيقي، مستخدما ترسانة كاملة من أدوات العنف والترهيب لإسكات الأصوات المطالبة بالحرية.
ولم تكن هذه المواجهة الأولى بين الشعب الإيراني والنظام الإيراني ولن تكون الأخيرة ما لم يحدث تحول جذري في موازين القوى الداخلية والضغط الدولي.
يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الأنماط الممنهجة للقمع التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، بما فيها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وحركة حقوق الإنسان الإيرانية (هرانا) ومنظمة حقوق الإنسان الإيرانية، إلى جانب خبراء الأمم المتحدة.
ويقدم التقرير صورة شاملة عن الأدوات التي يعتمد عليها النظام للحفاظ على سلطته، وتداعيات ذلك على المجتمع الإيراني، والموقف الدولي المطلوب.
اندلاع الاحتجاجات وسياقها
في الثامن والعشرين من ديسمبر 2025، اندلعت شرارة احتجاجات شعبية واسعة النطاق في عموم إيران، بدأت في ظاهرها باحتجاجات اقتصادية مشروعة تعبيرا عن الضائقة المعيشية الحادة جراء سوء الإدارة والفساد المستشري والعقوبات الدولية.
غير أن هذه الشعلة سرعان ما تحولت إلى حريق واسع حين رفع المحتجون سقف مطالبهم ليطال النظام السياسي برمته، مطالبين بإسقاطه وإقامة نظام يقوم على الحرية والمساواة وسيادة القانون.
تجلت روح الثورة في الشوارع الإيرانية، حيث خرج مئات الآلاف من الرجال والنساء والشباب، متحدين آلة القمع، رافعين شعارات تنادي بالكرامة والحقوق الإنسانية الأساسية.
وقد شكل هذا الحراك امتدادا طبيعيا لانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 التي انطلقت في أعقاب وفاة مهسا أميني، والتي أكدت أن المطالب الشعبية بالتغيير لم تطفأ بل ازدادت جذوة.
ولا يمكن فهم هذه الاحتجاجات بمعزل عن سياقها الاجتماعي والسياسي العميق؛ فالمظالم المتراكمة لدى الشعب الإيراني متعددة الأبعاد وراسخة الجذور. يعاني المجتمع الإيراني من انهيار اقتصادي مستمر، ومن نظام الفصل القسري بين الجنسين، ومن التمييز العرقي والديني ضد الأحوازيين والأكراد والبلوش، فضلا عن رفض مبدأ الولاية الدينية القسرية الذي يكبل الحريات الأساسية، هذه العوامل مجتمعة هي التي تفسر استمرار تصاعد الاحتجاجات رغم كل أعمال العنف.
أدوات القمع الممنهج
لجأت قوات الأمن الإيرانية بصورة فورية وممنهجة إلى الاعتقال الجماعي بوصفه أداة رئيسية لإخماد الاحتجاجات وترهيب المجتمع. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان احتجاز أكثر من 53,000 شخص، في رقم يكشف عن عملية قمع منظمة وممنهجة وليست ردود فعل عفوية.
والأشد إيلاما في هذا المشهد المأساوي وجود مئات الأطفال بين المعتقلين، بعضهم لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، مما يمثل انتهاكا صارخا لكل المعايير الدولية لحماية الطفل، ويحتجز كثير من هؤلاء في عزل تام عن ذويهم ومحاميهم، وهو ما يشكل بحد ذاته نوعا من الاختفاء القسري المحظور دوليا.
كما تشير التقارير الموثقة إلى أرقام مرعبة للضحايا سقطوا برصاص قوات الأمن وسط الحشود المحتجة. وتتراوح تقديرات الوفيات بين 7,000 و36,000 قتيل، أغلبهم من المتظاهرين والمارة العزل، وهو رقم يضع هذه الأحداث في خانة الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية.
وقد نفذ عناصر الحرس الثوري الإيراني وميليشيات الباسيج وقوات الشرطة عمليات القتل هذه باستخدام البنادق والخرطوش والأسلحة المتنوعة، مستهدفين في الغالب الرأس والجذع في إشارة واضحة إلى نية القتل لا التفريق.
وتلقي المجازر التي ارتكبت في الثامن والتاسع من يناير 2026 الضوء على ذروة هذا العنف الدموي الممنهج، حين سقط المئات في مجزرة مدبرة تجلت فيها نية النظام لترهيب الشعب بالدم. ولاستكمال هذه الجريمة، فرض حصار شبه كامل على الإنترنت لإخفاء الأدلة وعزل إيران عن أعين العالم.
كما تحول الجهاز القضائي في إيران إلى أداة مباشرة في يد النظام لتصفية المعارضة، إذ تعقد محاكمات صورية سريعة تنتهي بأحكام إعدام استنادا إلى تهم فضفاضة كـ”المحاربة” أو “الإفساد في الأرض”.
وقد نفذت أحكام إعدام بحق عشرات المتهمين على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات، فيما يواجه عدد من الأطفال القاصرين خطر الإعدام في انتهاك صريح للقانون الدولي.
يأتي هذا في سياق تصاعد مطرد في معدلات الإعدام، إذ شهد عام 2024 نحو 972 عملية إعدام، بينما تجاوز عام 2025 حاجز 1,000 إلى 1,500 حالة، وهو أعلى مستوى يسجل منذ عقود، ويطال هذا القمع الأحوازيين البلوش والأكراد والآذريين إلى الناشطين السياسيين والمعارضين.
التعذيب والانتهاكات في مراكز الاحتجاز
وثقت منظمات حقوق الإنسان الدولية انتهاكات جسيمة ترتكب داخل مراكز الاحتجاز الإيرانية تشمل: التعذيب الجسدي المبرح، والعنف الجنسي بحق المعتقلين رجالا ونساء، وتنفيذ إعدامات صورية بهدف كسر الإرادة وانتزاع الاعترافات.
وكثيرا ما تبث هذه الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه على شاشات التلفزيون الرسمي في مشهد دعائي يكشف عن درجة تدني الأخلاق الرسمية.
كذلك وثق المحققون الدوليون حالات وفاة داخل مراكز الاحتجاز في ظروف مريبة، إلى جانب حملات التضييق على ذوي المعتقلين الذين يسعون لمعرفة مصير أبنائهم أو المطالبة بالإفراج عنهم أو تحقيق العدالة. هذه الممارسة المتعمدة في إرهاب الأسر تهدف إلى إطفاء أي صوت مطالب بالمساءلة.
الخطاب الرسمي وآليات التضليل
ويلجأ النظام الإيراني باستمرار إلى وصف المحتجين بأنهم “مثيرو شغب” أو “عملاء أجانب” أو تهديدات “للأمن القومي”، في محاولة لتشويه صورة الحراك الشعبي وإضفاء الشرعية على القمع الوحشي بوصفه استجابة دفاعية مشروعة.
ويكمل الحصار الإعلامي على الإنترنت هذه الاستراتيجية، إذ يهدف إلى عزل المحتجين عن بعضهم وقطع التواصل مع العالم الخارجي وطمس الأدلة على الجرائم المرتكبة.
في الحقيقة، ما يفر منه النظام ليس خطر الفوضى بل خطر الحساب والمساءلة؛ فالمطالب الشعبية الجوهرية بالحرية والكرامة والمساءلة لا تزال قائمة وتتصاعد، بينما يعتمد النظام على القمع ورقة رابحة للبقاء في السلطة بدلا من الانخراط في إصلاح حقيقي يعالج الأسباب الجذرية للأزمة.
الاستجابة الدولية والمطلوب
وفي مواجهة القمع الإيرني يتولى المراقبون الدوليون المستقلون، في مقدمتهم خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الكبرى، توثيق هذه الانتهاكات ووصفها بأنها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
ويعد الاهتمام الدولي والتوثيق الدقيق والضغط من أجل المساءلة عناصر بالغة الأهمية، سواء عبر آليات مجلس حقوق الإنسان الأممي أو من خلال فرض عقوبات مستهدفة على المسؤولين عن الانتهاكات.
بيد أن التغيير الجوهري المنشود لا يمكن أن يفرض من الخارج؛ فهو رهين في نهاية المطاف بالديناميات الداخلية الإيرانية، وبإرادة الشعب الإيراني المستعدة لدفع أثمان باهظة في سبيل الحرية. ما تستطيع المجتمعات الدولية فعله هو مؤازرة هذا الشعب عبر حماية الناشطين في المنفى، وكسر الحصار الإعلامي، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العدالة.



