أهم الأخبارتقارير

اقتصاد “النزيف المستمر”: الإيرانيون يدفعون فاتورة السياسات الأيديولوجية والحروب الإقليمية

بينما تنشغل الماكينة الإعلامية الرسمية في طهران بتسويق الانتصارات العسكرية والمناورات الجيوسياسية، يكشف الواقع الاقتصادي المتردي عن وجه آخر للصراع؛ وجه عنوانه الفقر المزمن والبطالة الهيكلية التي باتت تنهش جسد المجتمع الإيراني.

ومع حلول الربع الثاني من عام 2026، تشير البيانات الاقتصادية والتقارير الميدانية إلى أن المواطن العادي بات “الممول القسري” لسياسات النظام الخارجية، دافعا ثمنا باهظا من قوت يومه ومستقبل أبنائه.

أرقام البطالة.. “خداع إحصائي” وواقع مرير
رغم أن التقارير الصادرة عن المركز الإحصائي الإيراني في أوائل عام 2026 تحاول رسم صورة متفائلة عبر حصر معدل البطالة الإجمالي بين 7.2% و7.8%، إلا أن خبراء الاقتصاد يصفون هذه الأرقام بـ “المضللة”. والسبب يكمن في انخفاض معدل المشاركة الاقتصادية الذي يتراوح حول 40% فقط؛ ما يعني أن ملايين الباحثين عن عمل قد يئسوا تماما وخرجوا من سجلات “القوى العاملة النشطة”.

وتبرز الأزمة بشكل أكثر جلاء في قطاع الشباب، حيث تقترب بطالة الفئة العمرية (15-24 عاما) من حاجز 20%، بينما تسجل بطالة النساء ضعف معدلات الرجال، لتصل في بعض المناطق إلى 30%.
والمفارقة الكبرى تكمن في أن خريجي الجامعات يشكلون نحو 42% من إجمالي العاطلين عن العمل، مما يغذي ظاهرة “هجرة العقول” القسرية التي تفرغ البلاد من كفاءاتها.
الوضع يزداد قتامة، حيث تتجاوز معدلات البطالة في بعض المناطق إلى نحو 12 بالمئة أو أكثر، وهو ما يعكس تفاوتا في التنمية الاقتصادية وتوزيع الاستثمارات.

وتؤدي هذه الفجوات الإقليمية إلى تفاقم الهجرة الداخلية من المناطق الفقيرة إلى المدن الكبرى، ما يزيد من الضغط على البنية التحتية والخدمات في تلك المدن، ويخلق تحديات إضافية.

تسونامي الفقر: الطبقة الوسطى في مهب الريح
انتقل الفقر في إيران من كونه ظاهرة هامشية إلى واقع يلتهم أكثر من ثلث السكان.
وبحسب تقارير مركز أبحاث البرلمان والبنك الدولي، يقدر أن نحو 38.8% من الإيرانيين سيعيشون تحت خط الفقر بحلول نهاية عام 2026.
وتذهب مصادر مستقلة إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن النسبة في العاصمة طهران تجاوزت 50%، حيث يبلغ خط الفقر لأسرة مكونة من أربعة أفراد نحو 73 مليون تومان شهريا، بينما يظل الحد الأدنى للأجور بعيدا كل البعد عن هذا الرقم.

هذا التفاوت الشاسع أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى، وبروز ظاهرة “فقر العمال”؛ وهم الموظفون الذين يمتلكون وظائف ثابتة ولكن دخولهم لا تكفي لتأمين السعرات الحرارية الأساسية، مما أدى إلى انتشار سوء التغذية وتراجع الاستهلاك العام للمواد الغذائية الأساسية كاللحوم والألبان.

يعد التضخم المزمن أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في تفاقم الفقر في إيران، حيث غالبا ما تتجاوز معدلاته 30 إلى 40 بالمئة سنويا. ويؤدي هذا التضخم إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، خاصة في ظل عدم مواكبة الأجور لارتفاع الأسعار.

كما ساهم انخفاض قيمة العملة المحلية في زيادة تكلفة الواردات، ما انعكس على أسعار السلع الأساسية، خاصة المواد الغذائية. وقد تم الإبلاغ عن انخفاض استهلاك السعرات الحرارية لدى بعض الفئات، وهو مؤشر خطير على تدهور مستوى المعيشة.

جذور الأزمة: سياسات الخارج تخنق الداخل
ويجمع المحللون على أن الأزمة الراهنة ليست وليدة الصدفة أو العقوبات الدولية فحسب، بل هي نتيجة هيكلية لثلاثة عوامل رئيسية في مقدمتها تمويل الأيديولوجيا والوكلاء حيث تلتهم طموحات النظام الإقليمية مليارات الدولارات سنويا. فالدعم اللامحدود للجماعات الوكيلة مثل (حزب الله، الحوثيين، والميليشيات في العراق وسوريا) يقتطع مباشرة من الميزانية العامة التي كان من المفترض توجيهها لتحفيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل.

زكذلك سوء الإدارة والفساد الهيكلي حيث يعاني الاقتصاد الإيراني من كونه “اقتصاد ريع” تسيطر عليه مؤسسات غير خاضعة للرقابة، مع إفراط في طباعة النقود لمواجهة العجز، ما أدى إلى تضخم مزمن تجاوز حاجز الـ 40%.

وثالث العوامل هي عزلة الأسواق العالمية، فقد أدت السياسة الخارجية الصدامية إلى تشديد العقوبات الدولية، ما حرم البلاد من الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة، وجعل الريال الإيراني في حالة انهيار مستمر أمام العملات الأجنبية.

يأس اجتماعي وانفجار صامت
يدفع المعلمون، والمتقاعدون، والشباب المتعلم اليوم ثمن “الاقتصاد الحربي” الذي ينتهجه النظام.
ومع تحول الموارد نحو التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، تزايدت الضغوط على الداخل الإيراني بشكل غير مسبوق. إن استمرار تغليب الإنفاق العسكري والأيديولوجي على الإنتاج الوطني والشفافية يعني أن الاقتصاد الإيراني سيظل في حلقة مفرغة من التضخم والركود، ما يجعل أي تحسن مستدام أمرا مستحيلا دون تغيير جذري في أولويات الدولة العليا.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى