
نساء إيران بين القمع المنهجي وكلفة البقاء: واقع يختلط فيه الاضطهاد بالفقد
تشهد أوضاع المرأة في إيران خلال الأعوام الأخيرة، وخاصة بين 2024 و2026، تدهورًا حادًا يعكس منظومة متكاملة من التمييز القانوني والقمع الأمني والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الواقع لم يعد مجرد انتهاكات متفرقة، بل أصبح نمطًا مستمرًا يوثق عبر تقارير دولية ومنظمات حقوقية، ويُظهر أن النساء الإيرانيات يتحملن عبئًا مركبًا من الظلم والفقر وفقدان الأمان الشخصي.
تمييز قانوني وهيكلي متجذر
منذ قيام النظام الإيراني، تُفرض قيود واسعة على النساء في مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك قوانين الأحوال الشخصية والعمل واللباس.
ويؤكد خبراء دوليون أن النساء والفتيات في إيران ما زلن يواجهن “تمييزًا قانونيًا منهجيًا” يحد من فرصهن في العدالة والمشاركة المجتمعية .
كما أن فرض الحجاب الإلزامي منذ الثمانينيات يمثل أحد أبرز أدوات السيطرة على النساء، حيث أصبح سببًا للاعتقال أو العقوبات .
القمع الأمني واستهداف الناشطات
بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت في 2022، تصاعدت حملة القمع ضد النساء بشكل غير مسبوق.
وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات الإيرانية استهدفت الناشطات في مجال حقوق المرأة بالاعتقال التعسفي، والجلد، بل وحتى التهديد بعقوبة الإعدام .
كما وثّقت تقارير حديثة اعتقال عشرات الآلاف خلال الاحتجاجات، بينهم عدد كبير من النساء، في ظل استخدام القوة المفرطة والاعتقالات الجماعية .
وفي عام 2026، استمرت هذه السياسات، حيث تم اعتقال أكثر من 50 ألف شخص خلال موجات الاحتجاج، وفق تقديرات حقوقية، مع وجود نساء بين المعتقلين يواجهن أحكامًا قاسية قد تصل إلى الإعدام .
الإعدامات… تصعيد غير مسبوق يشمل النساء
أحد أخطر المؤشرات على تدهور أوضاع النساء هو تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام.
ففي عام 2025 وحده، تم إعدام ما لا يقل عن 38 امرأة، مقارنة بـ34 في 2024 و26 في 2023، ما يعكس زيادة حادة في استهداف النساء بعقوبة الإعدام .
كما سجلت إيران أرقامًا قياسية في الإعدامات عمومًا، تجاوزت ألف حالة سنويًا، وسط انتقادات دولية واسعة .
وفي 2026، تشير تقارير حديثة إلى تنفيذ إعدامات متسارعة بحق سجناء سياسيين، بينهم نساء، في ظل محاكمات تفتقر إلى المعايير القانونية، واستخدام هذه العقوبة كأداة لبث الخوف في المجتمع .
العنف ضد النساء… أرقام صادمة
لا يقتصر التهديد على الدولة فقط، بل يمتد إلى المجتمع في ظل ضعف الحماية القانونية. فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 203 حالات قتل للنساء في إيران خلال عام 2025، بينها جرائم بدوافع ما يسمى “الشرف” .
ويُعزى ذلك جزئيًا إلى قوانين تخفف العقوبات في مثل هذه الجرائم، ما يخلق بيئة إفلات من العقاب .
السجون وفقد الأبناء: معاناة مزدوجة
تعاني آلاف النساء الإيرانيات من فقدان أبنائهن أو أزواجهن داخل السجون، سواء بسبب النشاط السياسي أو المشاركة في الاحتجاجات.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن عائلات المعتقلين تتعرض بدورها للمضايقات، بينما يُحرم كثير من الأسر من معرفة مصير أبنائهم أو استلام جثامينهم بعد الإعدام .
هذه الممارسات تخلق حالة من الألم الممتد، حيث تتحول المرأة إلى ضحية مباشرة وغير مباشرة في آن واحد.
الفقر والتهميش الاقتصادي
إلى جانب القمع السياسي، تواجه النساء الإيرانيات أوضاعًا اقتصادية صعبة. فالعقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية أثرت بشكل مباشر على فرص العمل والدخل، بينما تواجه النساء قيودًا إضافية في سوق العمل.
ويؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الفقر بين النساء، خاصة الأرامل وأمهات المعتقلين، اللواتي يتحملن مسؤوليات مالية واجتماعية دون دعم كافٍ.
واقع مأزوم ومستقبل مفتوح على الاحتمالات
تُظهر المؤشرات الحديثة أن أوضاع المرأة في إيران تمر بمرحلة حرجة، حيث يتداخل القمع السياسي مع التمييز القانوني والعنف المجتمعي.
وبينما تستمر النساء في لعب دور بارز في الحراك الاحتجاجي، فإن كلفة هذا الدور تبقى باهظة، تتجسد في السجن، والفقد، وحتى الموت.
ورغم هذا الواقع القاسي، فإن استمرار الاحتجاجات النسائية يشير إلى أن القضية لم تعد مجرد مطالب حقوقية، بل تحولت إلى صراع أعمق حول الحرية والكرامة.
وفي ظل غياب إصلاحات جوهرية، يبقى مستقبل المرأة الإيرانية مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي والداخلي على كسر دائرة القمع المستمرة.



