أهم الأخبارتقارير

من صنعاء إلى البحر الأحمر.. كيف أشعلت إيران اليمن وحوّلته إلى منصة لحروبها الإقليمية؟

 

منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، تحولت البلاد من أزمة سياسية داخلية إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع الإقليمي تعقيدًا في الشرق الأوسط، مع تصاعد الدور الإيراني عبر دعم جماعة الحوثي سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا.

وخلال السنوات الماضية، لم يعد تأثير هذا التدخل مقتصرًا على الداخل اليمني، بل امتد إلى الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، خصوصًا بعد تصاعد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

وبينما تؤكد إيران أن دعمها للحوثيين يأتي في إطار “مساندة قوى المقاومة”، ترى الحكومات العربية والولايات المتحدة ودول غربية أن طهران تستخدم اليمن كورقة ضغط استراتيجية ضمن صراعها الإقليمي، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الدولة اليمنية ومستقبل شعبها.

بدأ النفوذ الإيراني في اليمن بالتوسع التدريجي منذ العقد الأول من الألفية الجديدة، لكنه تعزز بصورة غير مسبوقة بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وإجبار الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على التراجع.

ومنذ ذلك الحين، اتهمت الأمم المتحدة وتقارير دولية متعددة إيران بتقديم أسلحة وتقنيات عسكرية متطورة للحوثيين، شملت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة وأنظمة اتصالات عسكرية.

وقد أظهرت تقارير لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن تشابهًا تقنيًا بين بعض الأسلحة المستخدمة من قبل الحوثيين وأنظمة عسكرية إيرانية الصنع أو مطورة بدعم إيراني.

ومع تطور الحرب، أصبح الحوثيون جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى في المنطقة. وترى إيران في هذه الشبكة وسيلة لتعزيز نفوذها الاستراتيجي وممارسة الضغط على خصومها الإقليميين، خاصة السعودية ودول الخليج العربي.

وقد انعكس ذلك بوضوح في الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية ومدنًا حدودية خلال السنوات الماضية، باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة تبنى الحوثيون تنفيذها.

وفي عام 2019، تسبب الهجوم على منشآت “أرامكو” في بقيق وخريص بخفض إنتاج النفط السعودي مؤقتًا إلى النصف تقريبًا، ما مثّل صدمة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية، رغم استمرار الجدل الدولي حول الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن العملية.

لكن أخطر مراحل التصعيد ظهرت بعد اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023، عندما صعّد الحوثيون هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر بزعم استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الداعمة لها.

وبحسب بيانات دولية وشركات شحن عالمية، أدت هذه الهجمات إلى اضطرابات كبيرة في حركة التجارة العالمية، إذ يمر عبر البحر الأحمر نحو 12% من التجارة الدولية وقرابة 30% من حركة الحاويات البحرية عالميًا.

وقد دفعت المخاطر الأمنية العديد من شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح، ما زاد تكاليف النقل البحري وأدى إلى ارتفاع أسعار التأمين والشحن عالميًا.

وأثارت هذه التطورات مخاوف واسعة من تحول اليمن إلى منصة دائمة لتهديد الملاحة الدولية، خاصة مع تكرار استهداف السفن التجارية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وردًا على ذلك، أعلنت الولايات المتحدة وشركاؤها تشكيل تحالفات بحرية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، كما نفذت واشنطن ولندن ضربات ضد مواقع تابعة للحوثيين داخل اليمن.

غير أن هذه الضربات لم توقف الهجمات بشكل كامل، ما يعكس حجم التعقيد العسكري والسياسي الذي باتت تمثله الأزمة اليمنية في الحسابات الإقليمية والدولية.

على المستوى الداخلي، دفع اليمن الثمن الأكبر لهذا الصراع، فبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تسببت الحرب منذ 2015 في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالميًا، مع انهيار واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ملايين اليمنيين باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة.

كما تعرضت شبكات الكهرباء والمياه والموانئ والمطارات والمستشفيات لأضرار جسيمة، في وقت انهارت فيه قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد بصورة حادة.

ويرى منتقدو الحوثيين وإيران أن الجماعة لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بل عملت على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم مشروعًا أيديولوجيًا وسياسيًا مرتبطًا بطهران.

ويتهم هؤلاء الحوثيين باستخدام الخطاب الطائفي والتعبئة العسكرية لفرض نفوذهم الداخلي، إلى جانب توظيف القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل لتعزيز شرعيتهم السياسية داخليًا وإقليميًا.

كما تشير تقارير حقوقية إلى انتهاكات واسعة ارتكبتها أطراف متعددة في الحرب، بينها تجنيد أطفال وفرض قيود على الحريات واعتقالات سياسية.

في المقابل، ينفي الحوثيون أن يكونوا مجرد أداة إيرانية، ويؤكدون أن قرارهم “وطني ومستقل”، وأنهم يخوضون مواجهة ضد ما يصفونه بـ”العدوان الخارجي”.

كما ترى طهران أن اتهامها بتدمير اليمن يهدف إلى تحميلها مسؤولية حرب معقدة تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية متعددة.

وتشير إيران إلى أن التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية منذ عام 2015 أسهم أيضًا في تعميق الأزمة الإنسانية وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية اليمنية.

غير أن معادلة النفوذ على الأرض تكشف أن استمرار الحوثيين كقوة عسكرية مهيمنة يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الإيراني التقني والسياسي، خاصة في ما يتعلق بتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

كما أن قدرة الجماعة على التأثير في أمن البحر الأحمر والممرات الدولية منحت طهران ورقة ضغط إضافية في صراعاتها الإقليمية والدولية، وهو ما دفع عددًا من الدول الغربية والعربية إلى اعتبار الملف اليمني جزءًا من استراتيجية إيران الأشمل في المنطقة.

و أن استمرار التوتر في البحر الأحمر قد يفاقم الضغوط الاقتصادية العالمية ويؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري الدولي داخل الأراضي اليمنية.

وفي ظل غياب حل سياسي مستدام، تبقى احتمالات إعادة بناء الدولة اليمنية مرتبطة بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على تقليص منطق الحرب بالوكالة وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وسيادتها.

و أظهر التدخل الإيراني في اليمن كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تحوّل دولة هشة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية.

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى