
مليار دولار سنوياً لوكلاء طهران.. المواطن الإيراني يدفع ثمن طموحات النظام الإقليمية
يمر الاقتصاد الإيراني خلال العامين 2025 و2026 بواحدة من أعقد فتراته التاريخية، حيث تقاطعت تداعيات الحروب الإقليمية الأخيرة مع سنوات من العقوبات الدولية المشددة وسوء الإدارة الهيكلية، لتنتج واقعا اجتماعيا متفجرا.
وبينما يحاول النظام في طهران تسويق استراتيجيات الصمود، ترسم الأرقام الرسمية وغير الرسمية صورة لبلد يستنزف موارده في “ساحات الخارج” على حساب “أزمات الداخل”.
بطالة الشباب: نزيف الكفاءات وطموحات محطمة
تعد قضية بطالة الشباب القنبلة الموقوتة الأبرز في المجتمع الإيراني. فوفقا لإحصاءات مركز الإحصاء الإيراني وتقارير منظمة العمل الدولية لعام 2025، استقر معدل بطالة الشباب (الفئة العمرية 15-24 عاما) عند مستويات مزمنة بلغت 21.9%، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط الوطني العام البالغ 7.8%.
إلا أن هذه الأرقام تخفي خلفها فجوات أعمق، إذ تصل نسبة البطالة بين الشابات (20-24 عاما) إلى مستويات صادمة تتراوح بين 34% و35%.
وفي المحافظات النائية والمناطق المهمشة، تشير تقارير غير رسمية إلى أن نصف الشباب في سن العمل لا يجدون وظائف، مما رفع معدل الإحباط ودفع بظاهرة هجرة العقول إلى مستويات قياسية، حيث باتت الهجرة هي الحل الوحيد المتبقي للخريجين الباحثين عن كرامة العيش.
فاتورة “محور إيران”: المال مقابل الأيديولوجيا
منذ ديسمبر 2025 واستمرارا في 2026، اتخذت الاحتجاجات الشعبية طابعا اقتصاديا صرفا، لكنها سرعان ما تحولت إلى تسييس واضح للأولويات المالية للنظام.
ولم تعد شعارات مثل “لا تنفقوا أموالنا على غزة ولبنان” مجرد صرخات عابرة، بل تعبيرا عن غضب شعبي من استنزاف موارد النقد الأجنبي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن طهران واصلت إنفاق مبالغ تتراوح بين مئات الملايين إلى أكثر من مليار دولار سنويا على وكلائها الإقليميين (حزب الله، حماس، الحوثيون، والميليشيات العراقية).
وبرزت تقارير تتحدث عن تحويل ما يقرب من 1.2 مليار دولار إلى حزب الله في فترة زمنية قصيرة لدعمه في مواجهاته الأخيرة، وهو مبلغ يراه المواطن الإيراني كفيلا بحل أزمات الإسكان أو تطوير البنية التحتية المتهالكة التي تعاني من انقطاعات مستمرة في الكهرباء والإنترنت.
حرب 2026: الضربة القاضية للإنتاج
جاءت الصراعات المباشرة وغير المباشرة في 2025 و2026 لتزيد الطين بلة، فخلال ما عرف بـ “حرب الأيام الـ 12″، انضم حوالي 650 ألف شخص إلى قائمة العاطلين عن العمل نتيجة تدمير منشآت حيوية وتعطل الموانئ والصادرات، وخلال حرب 2026 انضم حوالي مليوني لقائمة البطالة.
وفي طهران، أعلن أكبر قرباني، السكرتير التنفيذي لمركز عمال غرب طهران، عن تسريح جماعي للعمال في شركات كبرى نتيجة انخفاض الطاقة الإنتاجية وعدم قدرة المصانع على تأمين المواد الخام بسبب العقوبات وتضرر سلاسل التوريد.
كما أدى انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وضعف البنية التحتية الرقمية إلى شلل في قطاعات التكنولوجيا والإعلام والإعلان، وهي القطاعات التي كانت تستوعب شريحة واسعة من الشباب المتعلم.
الواقع المر: التضخم و”الموظفون الفقراء”
لم تقتصر الأزمة على غياب العمل، بل امتدت لتشمل من يملكون وظائف؛ حيث أدى التضخم الجامح الذي تجاوز حاجز الـ 50% إلى تآكل القيمة الشرائية للأجور.
وظهرت في سوق العمل الإيراني ظاهرة “الموظفين الفقراء”، وهم الأشخاص الذين يعملون بدوام كامل لكن رواتبهم لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية والسكنية.
ويرى خبراء أن نسبة البطالة الحقيقية أعلى بكثير من الـ 7.5% المعلنة رسميا، لأن الإحصاءات لا تدرج “السكان غير النشطين” الذين توقفوا عن البحث عن عمل نتيجة اليأس، أو أولئك الذين يعملون في وظائف غير رسمية وهامشية لا توفر أي أمان اجتماعي.
خيارات صعبة أمام نظام مأزوم
إن الرابط بين السياسة الخارجية المتمثلة في “تصدير الثورة” والانهيار الداخلي أصبح أوضح من أي وقت مضى بالنسبة للشارع الإيراني، فالدعم العسكري لوكلاء النقد الأجنبي جلب للبلاد مزيدا من العقوبات، وعزلها عن الاستثمارات العالمية، واستنزف ميزانيات كانت كفيلة بخلق فرص عمل.
اليوم، يقف النظام الإيراني أمام معادلة صفرية؛ فإما الاستمرار في نهج “محور المقاومة” والمخاطرة بانفجار شعبي أوسع تقوده شريحة الشباب الغاضب، أو الانكفاء للداخل وإجراء إصلاحات هيكلية وخفض التصعيد الإقليمي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاقتصاد.
وبدون تغيير جذري في الأولويات، ستظل إيران تدور في دوامة من التضخم والقمع والاحتجاجات، حيث لم يعد الوعيد الأيديولوجي قادرا على ملء جيوب المواطنين الجائعة.



