مقدمة. علی جيوب الفارغة .
تشكل التحالفات الدولية، والممرات المائية، والطاقة، والاتصالات، والتقنيات المتقدمة، معالم العصر الجديد التي ستحدد مواقع الأمم في خريطة النفوذ العالمي. فمن تكنولوجيا النانو إلى الإلكترونيات، مروراً بالاتصالات، ووصولاً إلى الأسواق الحرة التي تدفع بها شركات الأسهم والعملات الرقمية، تظل كل هذه العناصر أدوات عصر جديد سيغير وجه العالم.
لقد شهد العالم تحولات كبرى، انتقل خلالها من عصر البخار إلى عصر النفط، فعهد الطاقة الذرية، وصولاً إلى عصر اقتحام الفضاء. أما اليوم، فالشركات العابرة للقارات لم تعد تعمل بالمنطق التقليدي للإنتاج والتصدير، بل أصبحت كيانات قائمة على البرمجة والابتكار الرقمي. ومن يدرك حجم هذا التحول، كما تجسده أمثلة مثل “مايكروسوفت” و”أمازون”، ويتحرك وفقاً له، سيكون جزءاً من المعالم الجديدة للعالم التي تتجه نحو سيادة المعرفة والمشاركة المالية والمادية كركائز أساسية في هذه الديناميكية العالمية.
في المقابل، ثمة دول ستتخلف عن هذا الركب، وتعجز عن مجاراة هذه المتغيرات، وهي عاجزة عن بناء نموذجها الحضاري أو استعادة أمجادها التاريخية. وتشمل هذه المجموعة دولاً استعمارية سابقة وأخرى نامية.
لم يعد جوهر الصراع الاقتصادي اليوم يدور حول الحجم الكمي، بل حول بناء مناطق نفوذ ونظم مالية وقوانين تمكن أصحاب رأس المال من استغلال الأسواق بعيداً عن القيود التنظيمية.
وفي هذا الإطار، تدخلت مفاهيم مثل العولمة والاقتصاد الحر، إلى جانب السيادة والاستقلال والقيم المجتمعية، في مواجهة كتل اقتصادية جديدة تسعى للحفاظ على قرارها الذاتي وقدراتها. وبرزت على الساحة مجموعات مثل “بريكس” ومجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهي تجمعات تتقارب رؤاها فيما بينها، ولكنها لا تتماشى بالضرورة مع النموذج الليبرالي للعولمة، مما يُنهي حقبة هيمنة مجموعة السبع.
وبالتالي، سيتجلى الصراع عبر أدوات إقليمية ومحورية، مما سيفرض أهمية استراتيجية قصوى لبعض الجغرافيات في العالم، بناءً على:
1. سرعة التكامل بين هذه التكتلات.
2. درجة استقلالية القرار داخل كل كتلة.
3. كفاءة توظيف العلاقات الدولية والقطاع الصناعي.
أما التهميش الدولي في هذا السياق فلم يعد مقبولاً، كما أن عدم المشاركة الفاعلة لم يعد خيارياً دون تكبد خسائر جسيمة.
وبهذا، تعمل هذه الكتل ضمن إطار التكامل الاقتصادي، والحفاظ على التبادل التجاري البيني بعملاتها الوطنية، في انتظار بروز العملات الرقمية، وسعياً لإزالة أي معوقات أمام استقرارها ونموها وازدهارها.
إذن، نحن إزاء حقبة فكرية جديدة، تختلف جذرياً عن سابقاتها، وتتطلب دراسة موضوعية متعمقة، لا سيما في ظل محاولات رؤوس الأموال التوحد عبر حدود جغرافية مختلفة لحماية رأس المال وزيادة الأرباح، وهي قوة لا يمكن التغاضي عنها. وقد تمكن هذه القوى من فرض هيمنتها على الشعوب المقهورة، مما يستدعي يقظة استراتيجية من قبل الدول النامية.
الكاتب: المهندس حسين علي الأحوازي



