أهم الأخبارتقارير

لبنان رهينة طهران: كيف حوّلت إيران حزب الله إلى أداة لحروبها على حساب الشعب اللبناني؟

 

منذ تأسيس حزب الله عام 1982 بدعم مباشر من إيران، تحوّل الحزب من تنظيم مسلح نشأ في سياق الاجتياح الإسرائيلي للبنان إلى أحد أبرز أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني في الشرق الأوسط.

وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، ارتبطت علاقة طهران بالحزب بشبكة معقدة من الدعم العسكري والمالي والسياسي، ما جعل لبنان ساحة مركزية في الصراع الإقليمي بين إيران وخصومها، ودفع الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني إلى تحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.

ومع تصاعد الأزمات الداخلية في لبنان منذ عام 2019، أصبح الجدل حول دور إيران وحزب الله أكثر حدة، خصوصًا في ظل الانهيار المالي غير المسبوق، وتراجع مؤسسات الدولة، وتكرار المواجهات العسكرية التي انعكست بشكل مباشر على المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد.

ترتبط استراتيجية إيران الإقليمية منذ عقود بمفهوم “تصدير الثورة” وبناء شبكات نفوذ خارج حدودها عبر جماعات مسلحة متحالفة معها في المنطقة.

وفي هذا السياق، شكّل حزب الله النموذج الأبرز والأكثر تطورًا بين هذه الجماعات، إذ وفّرت له طهران التدريب والتسليح والتمويل عبر الحرس الثوري الإيراني، وخاصة “فيلق القدس” الذي تولّى إدارة العمليات الخارجية الإيرانية لعقود.

وتقدّر تقارير غربية وإقليمية أن إيران أنفقت مئات الملايين من الدولارات سنويًا لدعم الحزب، رغم اختلاف التقديرات الدقيقة بسبب الطبيعة السرية لهذه الشبكات المالية والعسكرية.

خلال السنوات الماضية، لم يعد دور حزب الله مقتصرًا على الداخل اللبناني أو المواجهة مع إسرائيل، بل توسّع ليشمل المشاركة المباشرة في النزاعات الإقليمية، خصوصًا في سوريا بعد اندلاع الحرب عام 2011.

فقد لعب الحزب دورًا عسكريًا رئيسيًا إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، وهو ما اعتبره معارضو الحزب انخراطًا في مشروع إيراني إقليمي يتجاوز المصالح اللبنانية.

وأسهم هذا التدخل في تعميق الانقسام الداخلي اللبناني، كما أدى إلى استهداف لبنان أمنيًا وسياسيًا من أطراف إقليمية ودولية رأت أن الدولة اللبنانية أصبحت رهينة لمحور تقوده إيران.

اقتصاديًا، جاءت التداعيات أكثر تعقيدًا. فلبنان الذي كان يُعرف لعقود كمركز مالي وخدمي في المنطقة دخل منذ عام 2019 في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميًا وفق تقديرات البنك الدولي، فقد انهارت العملة اللبنانية بأكثر من 95% من قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر إلى ما يزيد على 80% وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينما فقدت المؤسسات الرسمية قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.

ورغم أن أسباب الانهيار متعددة وتشمل الفساد البنيوي وسوء الإدارة المالية والسياسات المصرفية، فإن نشطاء يرون أن ارتباط لبنان بالمحور الإيراني ساهم في عزله عن محيطه العربي والدولي، وأضعف فرص حصوله على استثمارات ودعم اقتصادي مستدام.

وتزايدت هذه الانتقادات بعد تدهور العلاقات بين لبنان وعدد من دول الخليج العربي، التي كانت تاريخيًا من أبرز الداعمين للاقتصاد اللبناني عبر الاستثمارات والسياحة والتحويلات المالية.

فقد تراجعت الاستثمارات الخليجية بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، كما انخفضت أعداد السياح الخليجيين، في وقت كان الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل كبير على القطاع السياحي والخدمات المالية.

ويربط منتقدو حزب الله هذا التراجع بسياسات الحزب الإقليمية وتصريحاته العدائية تجاه بعض الدول العربية، بينما يؤكد الحزب وأنصاره أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية أعمق من اختزالها في البعد السياسي أو الإقليمي.

أمنيًا، أدت المواجهات المتكررة بين حزب الله وإسرائيل إلى فرض واقع هش على لبنان، خصوصًا في الجنوب، فمنذ حرب يوليو 2006، التي خلّفت الكثير من الضحايا في لبنان ودمارًا واسعًا للبنية التحتية، ظل خطر التصعيد قائمًا بصورة دائمة.

ومع اندلاع الحرب في قطاع غزة عام 2023، عاد الجنوب اللبناني إلى دائرة المواجهات الحدودية اليومية، ما تسبب في نزوح عشرات الآلاف من السكان وتدمير قرى ومرافق حيوية.

ويرى معارضو الحزب أن لبنان يُستخدم كساحة متقدمة في الصراع الإيراني مع إسرائيل والولايات المتحدة، وأن القرار العسكري لم يعد مرتبطًا بالمؤسسات الدستورية اللبنانية بقدر ارتباطه بحسابات إقليمية أوسع.

في المقابل، يرفض حزب الله هذه الاتهامات ويؤكد أن سلاحه يشكل عنصر ردع أساسيًا ضد إسرائيل، خاصة في ظل استمرار النزاع الحدودي واحتلال مناطق متنازع عليها مثل مزارع شبعا.

كما يشير الحزب إلى دوره في مواجهة الجماعات المسلحة على الحدود اللبنانية السورية خلال سنوات الحرب السورية، معتبرًا أن تدخله العسكري ساهم في حماية لبنان من تهديدات أمنية مباشرة.

لكن المعضلة الأساسية تكمن في تضارب مفهوم الدولة والسيادة داخل لبنان، فوجود قوة عسكرية وسياسية تمتلك ترسانة مستقلة عن الجيش اللبناني خلق واقعًا مزدوجًا في بنية السلطة، حيث أصبحت القرارات المصيرية المرتبطة بالحرب والسلم محل جدل داخلي دائم.

وقد أدى ذلك إلى تعميق الاستقطاب الطائفي والسياسي، وأضعف قدرة الحكومات المتعاقبة على تنفيذ إصلاحات جذرية أو بناء توافق وطني مستقر.

إقليميًا، تستفيد إيران من نفوذ حزب الله باعتباره أحد أهم أوراق الضغط في مواجهة خصومها، سواء في التفاوض مع الغرب بشأن الملف النووي أو في إدارة التوازنات الإقليمية.

فالحزب يمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تُعد من بين الأقوى ضمن الجماعات المسلحة غير النظامية في المنطقة، ما يمنح طهران نفوذًا يتجاوز حدودها الجغرافية، غير أن هذا النفوذ يضع لبنان في قلب صراعات إقليمية ودولية تتجاوز قدراته الاقتصادية والسياسية، ويجعله عرضة لتداعيات أي تصعيد بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة.

وفي ظل استمرار الانهيار الاقتصادي وتعثر الحلول السياسية، تبدو التوقعات المستقبلية للبنان مرتبطة إلى حد كبير بمصير التوازنات الإقليمية. فإذا استمرت المواجهة المفتوحة بين إيران وخصومها، سيبقى لبنان معرضًا لمزيد من الضغوط الأمنية والاقتصادية.

و لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية الحالية بمعزل عن التشابك بين العوامل الداخلية والنفوذ الإقليمي الإيراني عبر حزب الله.

فبينما ترى طهران والحزب أن هذا التحالف يمثل محور مقاومة وردع استراتيجي، يعتبره الكثير سببًا رئيسيًا في تآكل سيادة الدولة اللبنانية وعزلها عن محيطها العربي والدولي.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى