
قرنٌ من التيه: مَن يُدير هندسة التشتيت ويقبض ثمن الدم الأحوازي؟
كمال الكناني
أكثر من قرنٍ مضى على وقوع الأحواز في أسر الاحتلال، ولا تزال الساحة السياسية الأحوازية عاجزة عن إنجاب مظلة وطنية جامعة تلم شتات القضية وتوحد بوصلتها. هذا العقم المزمن ليس خطأً عفوياً في الحسابات، ولا عثرة تاريخية عابرة، بل هو جريمة هندسية مكتملة الأركان ، صممتها غرف الاستخبارات المحترفة، ونفّذتها بكل أسف أيادٍ أحوازية ارتضت لنفسها أن تكون معول الهدم الأول في جدار البيت الداخلي.
إن المايسترو الأساسي في هذه اللعبة التدميرية هو جهاز المخابرات الإيراني، الذي أدرك مبكراً أن قوة الأحواز في وحدتها، فاستثمر في تفتيتها بالتعاون مع أجندات إقليمية لا تريد لهذه الأرض أن تقوم لها قائمة. لكن هذا المخطط الخارجي ما كان له أن ينجح لولا وجود طابور خامس من أبناء الجلدة؛ أدوات وظيفية ارتدت قناع الوطنية زوراً، بينما تدار أصابعها بـ الريموت كنترول من وراء الحدود، لتنفيذ ثلاثة مسارات تخريبية:
أولاً_ الاتجار بالقبيلة والمذهب (الهندسة الاجتماعية).
يتحرك هؤلاء المندسون في أوساط المجتمع لنبش الخلافات العشائرية وإحياء العصبيات القبلية، تارةً باسم العرف، وتارةً أخرى باختلاق صراعات مذهبية وهمية (بين التشيع والتسنن). الهدف الخبيث هنا هو إشغال الشارع الأحوازي بمعارك جانبية قذرة تُستنزف فيها طاقاته، تنفيذاً لسياسة فرق تسد الاستخباراتية، ليغيب المحتل الأساسي عن واجهة العداء.
ثانياً_ صناعة التخوين وتدمير الثقة
تتولى هذه الأيادي المأجورة، عبر منصات ومطابخ إعلامية موجهة، إحباط أي مشروع اندماجي أو تقارب وطني في مهده. ينشرون الشائعات، ويوزعون صكوك العمالة والتخوين على كل صوت مخلص ووطني، حتى تحولت الساحة إلى حقل من الألغام النفسية، وبات المناضل الأحوازي يتوجس من أخيه أكثر مما يتوجس من جلاده.
ثالثاً_ سماسرة المزاد الإقليمي والمال السياسي
لقد رهن هؤلاء المندسون القرار الأحوازي المستقل في سوق النخاسة الإقليمي مقابل مال سياسي مشروط. حوّلوا القضية من مشروع تحرر وطني مقدس إلى مجرد وظيفة أو ورقة ضغط تتقاذفها عواصم المنطقة لتصفية حساباتها مع طهران. وحين تنتهي المصالح الإقليمية أو تُعقد التسويات، يُترك الأحوازيون لمصيرهم الأسود، ويُلقى بالقضية في سلة المهملات.
لقد تلاقت مصلحة المحتل الخبيث مع انتهازية الابن المندس، ليتحول حلم التحرير من مشروع وطن، إلى جزر معزولة وممزقة تتقاذفها الأمواج الاستخباراتية.
الخلاصة:
إن البكاء على أطلال التاريخ والتباكي على المؤامرات الخارجية لم يعد ينطلي على الطفل الأحوازي الذي يرى أرضه تُفرّس ومياهه تُجفف وهويته تُباد. الحقيقة العارية التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي، إن أكبر عدو للوحدة الأحوازية اليوم هو العمالة والارتهان السائد في الساحة، واستسلام النخب للأيادي الخفية التي تحرك المشهد من وراء الستار.
ما دامت الخيوط الاستخباراتية الإيرانية، والإقليمية هي من توجه البوصلة عبر أدوات أحوازية مستأجرة تقتات على الفتنة، فإن قرناً آخر سيمر والأحوازيون يندبون حظهم في منافيهم، بينما قطار الاحتلال يمضي مسرعاً في قضم الأرض وتغيير ديمغرافيتها.
العيب ليس في قوة العدو، بل في طعنات الأبناء ؛ فالبندقية التي تقتلنا قد تكون إيرانية، لكن اليد التي تحرف مسار رصاصتنا… هي يدٌ أحوازية باعت دماء أهلها في سوق المزاد.



