
قراءة استراتيجية في الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على نظام الاحتلال الإيراني
رحيم حميد
١. تحذير استراتيجي لا إعلان حرب
الهجوم الإسرائيلي الأخير على مواقع داخل العمق الإيراني، خاصة في نطنز وتبريز وشيراز، لا يمكن قراءته كإعلان حرب شاملة، بل هو رسالة نارية شديدة اللهجة، هدفها إجبار النظام الإيراني على مراجعة مساراته قبل أن تتحوّل هذه الضربات إلى تصعيد يقوض الدولة من جذورها. فالهجوم جاء محدودا نسبيا من حيث الأهداف والتأثير، لكنه عميق من حيث الرمزية والرسالة، إذ لم يكن قاصما، ولم يُفقد النظام أدوات السيطرة أو القيادة، لكنه كشف بوضوح ضعف الدفاعات الإيرانية وهشاشة العمق الاستراتيجي. كما أنه لم يقض على البرنامج النووي، إذا ما زال قائما لم يتأثر بهذه الضربات التي لم تطل سوى سطح المفاعل.
٢. نظام مزدوج الهوية: براغماتي خارجيا،
قمعي داخليا
لفهم سلوك النظام الإيراني بعد هذه الضربة، لا بد من تمييز طبيعة هذا النظام: فهو قمعي أيديولوجي في الداخل، لكنه براغماتي إلى أقصى حد في السياسة الخارجية. يتعامل مع القوى الدولية والإقليمية بحسابات عقلانية وواقعية، تضمن بقاءه، لا “ثوريته”. وهذه البراغماتية لا تعني غياب الإيديولوجيا، بل توظيفها حيث تنفع وتعليقها حيث تضر. ولهذا السبب، لم يتجاوز النظام الإيراني الخطوط الحمراء الدولية طيلة العقود الماضية، بل ظل يناور داخلها، ويبتلع الضربات ما دامت لا تهدد وجوده مباشرة.
٣. بين خيارين: التصعيد أو التراجع
لقد وضعت الضربة الأخيرة النظام أمام خيارين واضحين:
• التصعيد، وما يعنيه من دخول مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة وحلفاؤها، في وقت لا تملك فيه إيران الغطاء الجوي، ولا القدرات الهجومية الرادعة التي تضمن لها البقاء.
• التراجع وابتلاع الضربة، والقبول بتسوية تحافظ على بقاء النظام، مقابل تنازلات مؤلمة في الملف النووي وربما الإقليمي.
وبما أن النظام، رغم خطابه الثوري، عقلاني في ممارساته الخارجية، فإنه على الأرجح سيختار التراجع التكتيكي وتجرّع كأس “السم النووي” من جديد، تماما كما فعل خميني في نهاية حرب الثمانينات.
٤. الولايات المتحدة: الحرب بالوكالة عبر إسرائيل
إن استراتيجية الأمريكية تجاه إيران شهدت تطورًا لافتا. فبدلا من التدخل المباشر، باتت واشنطن تُفعل أدواتها الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، لضرب إيران وتحجيم نفوذها. وهذا النهج لا يختلف كثيرا عن النهج الإيراني نفسه، الذي يدير نفوذه الإقليمي عبر أذرع غير مباشرة: حزب الله، الحوثيون، الميليشيات الشيعية. وهكذا تدور حرب الأذرع في المنطقة، بينما تبقى القوى الكبرى في مقاعد القيادة الخلفية.
٥. المعادلة الإقليمية: دول الخليج وتركيا والسعودية
الموقف الخليجي، وخاصة السعودي، يبدو أكثر ميلا نحو الاستقرار مع نظام ضعيف في طهران، بدلا من مغامرة إسقاطه والدخول في فوضى إعادة بناء دولة
جديدة في إيران. وهذا موقف قائم على دروس التجربة الإقليمية، حيث أظهرت الوقائع أن إسقاط الأنظمة لا يفضي بالضرورة إلى ولادة أنظمة أكثر استقرارا أو اعتدالا. ولهذا السبب، تميل الرياض وأنقرة وحتى أبوظبي إلى دعم اتفاق نووي جديد يضبط طموحات إيران دون إسقاط النظام.
٦. الشعوب غير الفارسية: خارج معادلة القرار
في كل هذا المشهد، تظل الشعوب غير الفارسية، وعلى رأسها الشعب العربي الأحوازي، خارج معادلة القرار الإقليمي والدولي، بسبب غياب الفاعلية الميدانية والدعم الخارجي. فلا الأحواز ولا المعارضة الفارسية في الخارج، تشكل حاليا بديلا واقعيا للنظام، أو قوة قادرة على ملء الفراغ في حال سقط. هذا الواقع يفتح الباب أمام ضرورة مراجعة إستراتيجية للمعارضة: كيف تتحول من “ورقة إعلامية” إلى “قوة ميدانية” تحسب لها الأطراف الدولية حسابًا.
خلاصة: الضربة رسالة تحذير لا مشروع إسقاط
الهجوم الإسرائيلي لم يكن سوى ضربة تحذيرية شديدة، وضعت النظام الإيراني أمام خيارين: إما الانزلاق إلى مواجهة قد تطيح بإيران كدولة، أو الدخول في اتفاق يحفظ بقاء النظام مع تنازلات استراتيجية. وبراغماتية النظام الخارجية ترجّح السيناريو الثاني، ما يعني أن النظام سيتجرع سم الاتفاق كما تجرّعه خميني من قبل، لكن تحت وقع الطائرات المسيّرة والانفجارات في عمق بلاده هذه المرة.



