
فخ المجالس وتنازلات المنفى ، هل ينجح الاحتلال في تفتيت الهوية الأحوازية؟
واقع الحراك التحرري الأحوازي ومخاطر الارتداد القبلي والسياسي.
كمال الكناني
يمرّ الحراك التحرري العربي الأحوازي بأدق مفاصله التاريخية وأكثرها تعقيداً، لا سيما بعد أن تخطت سنوات الاحتلال الإيراني العجاف حاجز الـ 101 عام. فبينما يستمر الشعب الأحوازي في الداخل بدفع ضريبة الدم والهوية في مواجهة آلة القمع العشواء وسياسات التهميش الممنهج وسرقة الثروات، تبرز على السطح في المنفى تحركات مريبة لبعض المجالس القبائلية، ومجالس القيادة المستحدثة، وبعض التنظيمات التي تقدم تنازلات وتماهياً مجانياً مع سلطات المحتل تحت مسميات الواقعية السياسية .
إن قراءة هذا المشهد بعين وطنية فاحصة تحتم علينا التساؤل بجدية، هل تشكيل هذه الكيانات في هذا التوقيت الحرج يخدم قضيتنا العادلة، أم أنه مجرد أداة لتشتيت الصف الأحوازي وإغراقه في مناكفات قبائلية ومكاسب وهمية، بدلاً من توحيد البوصلة نحو المسار التحرري ، لفهم أبعاد هذه الظاهرة لا بد من تفكيك مشروع المجالس والتنازلات عبر ميزان الإيجابيات والسلبيات، مع إدراك مسبق بأن ثقل السلبيات يكاد يعصف بفرص النجاة السياسية.
أولاً: المخاطر والسلبيات (تفخيخ الحراك من الداخل)
إن النبش في تاريخ الاحتلال يكشف بوضوح أنه لم يكتف يوماً بالقوة العسكرية لتركيع الأحواز، بل دأب على مر عقود على زرع العملاء، واختراق البنى الاجتماعية، واستغلال بعض شيوخ العشائر وأبنائهم لتمرير أجنداته. وفي هذا السياق، تأتي السلبيات لتؤكد أن المشاريع الراهنة تصب في ذات المجرى التفتيتي .
تشتيت البوصلة الوطنية وإحياء النزعات الفرعية إن نقل ثقل العمل السياسي من الفضاء الوطني الجامع إلى الأطر القبائلية والعشائرية الضيقة ، يعيد إنتاج الصراع بشكل مشوه. فبدلاً من صراع أحوازي إيراني ضد سلطة تنهب المقدرات ، يتحول المشهد إلى مناكفات داخلية بين العشائر على النفوذ الافتراضي في المنفى، مما يفرغ القضية من محتواها الأساسي كحركة تحرر وطني.
شرعنة الاحتلال عبر سياسة التنازلات قيام تنظيمات أو مجالس بتقديم أطروحات تبايع المحتل بشكل مبطن أو صريح ، أو تقبل بسقف المواطنة الإيرانية المشوهة، يمنح طهران ورقة رابحة على الصعيد الدولي والمحلي. سيستغل النظام هذه الكيانات ليدعي أمام المجتمع الدولي أن المطالب الأحوازية لا تتعدى إصلاحات خدمية تحت سيادته، مما يجهض عقوداً من نضال الشهداء لأستعادة الارض والمقدرات.
تسهيل الاختراق الاستخباري ، تُعد المجالس القائمة على الوجاهة العشائرية أو التجمعات السياسية غير المحصنة فكرياً وتنظيمياً، صيداً سهلاً لأجهزة المخابرات الإيرانية. فالاحتلال يتقن لعبة فرق تسد، ويستطيع من خلال بث المال السياسي والوعود الوهمية بتوجيه هذه الكيانات لضرب التنظيمات الوطنية المتمسكة بالثوابت.
صناعة الإحباط في الداخل الأحوازي، ينظر المواطن الأحوازي الصامد في الداخل الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة ،و يواجه الإعدامات والاعتقالات ،إلى نخب المنفى وهي تتصارع على الألقاب والمجالس وتتسابق نحو تقديم التنازلات، فيصاب بحالة من خيبة الأمل وفقدان الثقة بالعمل السياسي برمته، مما يضعف الحاضنة الشعبية الحقيقية للحراك.إن الوجاهة التي تُبنى على حساب دماء الشهداء وعقود النضال ليست إلا وهماً يتبدد عند أول منعطف حقيقي، ولا يمكن للقبيلة أن تكون بديلاً عن الوطن، بل يجب أن تكون درعاً له.
ثانياً: الإيجابيات النظرية بين الوهم والاشتراط
في المقابل، يحاول مروجو هذه المشاريع تسويق بعض النقاط كـ إيجابيات، وهي أطروحات تظل في الفضاء النظري وتصطدم بواقع الممارسة السياسية،
مأسسة الثقل الاجتماعي مشروطة بالوعي، لا يمكن لأحد إنكار أن القبيلة هي المكون الاجتماعي الأقوى في الأحواز، ونظرياً، إذا وُظفت هذه المجالس لجمع شمل العشائر تحت مظلة المشروع الوطني الجامع لتقديم الدعم المادي والمعنوي والاجتماعي للداخل، لكانت مكسباً كبيراً. لكن الواقع يثبت أن هذه المجالس تُستغل اليوم لشق الصف وليس لجمعه.
خلاصة الموقف: نحو ميثاق وطني لا مساومة فيه
بالنظر في كفتي الميزان، نجد أن السلبيات تفوق الإيجابيات بكثير، بل إن خطورة هذه المجالس والتنظيمات المهادنة تكمن في أنها تقدم طوق نجاة مجانياً للمحتل الإيراني في وقت يعاني فيه من أزمات خانقة وضغوط دولية. إن تحويل القضية الأحوازية من قضية أرض محتلة وشعب يطالب بالحرية إلى مجرد مناكفات عشائرية ومطالب سقفها مبايعة المحتل، هو تخلف وانتحار سياسي وتراجع لا يمكن القبول به.



