
عودة الأيام المظلمة: القمع كاستراتيجية أخيرة لبقاء النظام في إيران
بينما تسعى سلطات طهران جاهدة للحفاظ على وقف إطلاق النار، ودفع المفاوضات، بل وحتى السعي نحو سلام هش مع الولايات المتحدة في حقبة ما بعد خامنئي، فإنها في الوقت ذاته تشن حربا شاملة على الشعب الإيراني، وتتعامل معه باعتباره “العدو” الرئيسي لوجودها.
المشهد الراهن في إيران، الذي يتسم بتصاعد وتيرة الإعدامات والاعتقالات الجماعية، يعيد إلى الأذهان أجواء الستينيات المظلمة، حيث القمع هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام.
موجة إعدامات وانتقام سياسي
منذ اندلاع ما عرف بـ “حرب الأربعين يوما” في 28 مارس 2026، وضعت الأجهزة القمعية زيادة وتيرة إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام كأولوية قصوى. وتشير تقارير حقوقية إلى إعدام ما لا يقل عن 42 سجينا سياسيا خلال هذه الفترة القصيرة، بينهم مواطنون اعتقلوا خلال احتجاجات يناير الماضي.
وتعد هذه الاحتجاجات نقطة تحول في تاريخ النظام الإيراني حيث شهدت أكبر موجة احتجاجية منذ عقود، واجهها النظام بأكبر مجزرة دموية بحق المتظاهرين. واليوم، يستخدم النظام الجهاز القضائي لتصفية حساباته مع هؤلاء المعتقلين؛ إذ تعقد المحاكمات الصورية وتصدر الأحكام وتنفذ في غضون أيام قليلة، في سابقة قضائية تذكر بعمليات التصفية الجماعية التي شهدتها إيران في أعقاب الثورة.
“الناس جواسيس ما لم يثبتوا عكس ذلك”
لم تقتصر حملة القمع على النشطاء السياسيين، بل امتدت لتشمل المواطنين العاديين. فوفقا لتصريحات رسمية، اعتقل أكثر من 6500 مواطن خلال شهرين ونصف بتهم فضفاضة مثل “التجسس” و”التعاون مع العدو”.
وقد وفر “قانون تشديد العقوبة على التجسس” غطاء قانونيا للمحاكم الثورية لترهيب المجتمع؛ حيث تستخدم المصطلحات الغامضة في هذا القانون لتجريم أبسط الأفعال، مثل التقاط صورة لمبنى مدمر أو نشر تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأجواء جعلت المواطن الإيراني يعيش في حالة استنفار دائم، حيث يرى النظام في كل تحرك مجتمعي تهديدا وجوديا يتطلب تدخلا أمنيا.
عسكرة الشوارع والأمن النفسي
لم يعد القمع محصورا في أروقة المحاكم أو السجون، بل خرج إلى الشوارع. فقد أقامت السلطات نقاط تفتيش في مختلف المدن، حيث تقوم قوات الجيش والحرس الثوري والباسيج بتفتيش سيارات المواطنين وحقائبهم الشخصية وحتى هواتفهم المحمولة بحثا عن “مواد معادية”.
هذه العسكرة الممنهجة للمجال العام تهدف إلى خلق حالة من الرعب النفسي، وتذكر الإيرانيين بعهود التضييق الاجتماعي الصارم التي سادت في بدايات تأسيس الجمهورية الإسلامية.
ملاحقة الإيرانيين في الخارج
لا يقتصر بطش النظام على الحدود الجغرافية لإيران؛ فالإيرانيون في الشتات يواجهون أيضا موجة من القمع. فبينما تحرم القنصليات المواطنين في الخارج من الخدمات الأساسية كإصدار جوازات السفر، تلاحق أذرع النظام المعارضين من خلال التهديدات، والاعتداءات الجسدية، وحتى محاولات الاغتيال التي طالت صحفيين ونشطاء في دول أوروبية.
وقد كشفت تحقيقات دولية عن توظيف النظام لمجرمين محترفين لتنفيذ هذه العمليات، في محاولة لإسكات الأصوات التي نجحت في تدويل قضية الداخل وفضح انتهاكات النظام أمام العالم.
استراتيجية البقاء: القمع بدل القاعدة الشعبية
تحاول سلطات طهران اليوم تقديم صورة للعالم بأنها تتمتع بقاعدة شعبية متماسكة عبر مسيرات ليلية منظمة، لكن خلف هذه المشاهد المصطنعة تكمن حقيقة مريرة: النظام يدرك تماما أنه فقد شرعيته.
إن مفاوضات طهران مع إدارة دونالد ترامب، وسعيها نحو اتفاقيات اقتصادية مؤقتة، ليست سوى محاولة لترميم وضعها الاقتصادي المنهار، بينما يظل القمع الوحشي هو الأداة الوحيدة لضمان بقائها في السلطة. لقد أدركت السلطة أن الهوة بينها وبين الشعب لم تعد قابلة للرأب، وأن النظام قد تحول إلى كيان يعتاش على الخوف.
في المحصلة، تظهر احتجاجات “D404” والسياسات القمعية اللاحقة لها أن طهران لا تحاول بناء عقد اجتماعي جديد، بل تبني حاجزا أمنيا حديديا لمنع انهيارها الوشيك.
الانتقام من الشعب الإيراني، عبر حملات الإعدام والاعتقال، ليس تعبيرا عن قوة النظام، بل هو انعكاس لذعره من شعب قرر ألا يتراجع، حتى في ظل أسوأ الظروف الأمنية والقمعية.


