أهم الأخبارمقالات

عندما يتنصل ظريف من أوراق إيران الإقليمية

من المناسب الآن تذكير الوزير بمحطات أساسية للأسلوب والسياسات التي اعتمدها النظام في تعامله منذ 4 عقود

 

حسن فحص

جانب وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف الصواب كثيراً، في الاستعراض الذي قدمه خلال مشاركته في فعاليات “منتدى الدوحة” قبل أيام، حول علاقة طهران بالأذرع الإيرانية في الإقليم. ولم يكن مجبراً على اللجوء إلى هذا المستوى من عدم الدقة في كلامه عن التباين بين المصالح الإيرانية ومصالح هذه الأذرع، أو في نفي هذا الترابط.

قد يكون ظريف المتخفف من مسؤولياته الرسمية بعد إجباره على الاستقالة من منصبه مساعداً لرئيس الجمهورية للشؤون الاستراتيجية، أكثر حرية في التعبير عما يفكر فيه أو ما يعتقده في ما يتعلق بالسياسات الإقليمية للنظام الذي ينتمي إليه ويدافع عنه، وما كان يطمح أن يحققه خلال قيادته للدبلوماسية الإيرانية، بخاصة في تفكيك العقد التي تعوق أو تعرقل تطبيع علاقات بلاده مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية.

كان بإمكان ظريف الالتزام بالموقف الرسمي المعلن للنظام والحكومة من الجماعات التي تدعمها في الإقليم، وأن المنطلق في ذلك ينسجم مع مقدمة الدستور الإيراني الذي أكد دعم “المستضعفين” في الأرض ضد الظلم. أو أن يعتمد الخطاب الرسمي الذي شدد على أن الدعم الإيراني لهذه الجماعات سياسي وإنساني. إلا أن الذهاب إلى خطاب التنصل من هذه العلاقة، وأن “هذه الجماعات لم تقاتل من أجل مصلحة إيران أبداً، بل إن كل رصاصة أطلقوها كانت من أجل مصالحهم”، يعبر بوضوح عن وجود خطاب مختلف داخل أروقة القرار يحاول النأي بإيران عن أية مسؤولية عما يحدث في الإقليم، مدفوعاً بمحاولة إخراجها من العزلة التي تعانيها سياسياً واقتصادياً، والسعي لإعادة تعريف موقع إيران في الإقليم وعلى الساحة الدولية بصورة مختلفة عن السابق عندما كانت تتهم بالتدخل في شؤون دول المنطقة وزعزعة أمنها من خلال هذه الجماعات الموالية لها.

ولم يكن كلام ظريف من الدوحة جديداً، أو الأول من نوعه، فقد دأب خلال السنتين الأخيرتين في ما بعد معركة “طوفان الأقصى” على كسر الحرمة في انتقاد سياسات النظام الإقليمية التي تمنع أي حديث يتعارض مع الخطاب الاستراتيجي للنظام وحرس الثورة في علاقته مع أزمات المنطقة منذ اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، وصولاً إلى إضفاء نوع من القدسية على ما تقوم به حركة “حماس” في قطاع غزة، وصولاً إلى معركة الإسناد التي فتحها “حزب الله” على الجبهة اللبنانية.

ظريف حاول مراراً الإيحاء في المحافل الداخلية والخارجية التي شارك فيها تأكيد نفي أية علاقة أو معرفة إيرانية مسبقة بما قامت به “حماس” أو “حزب الله”، لذا هما يتحملان مسؤولية ما قاما به وليس إيران التي تسعى إلى بناء علاقات صداقة وود مع محيطها العربي والإقليمي، والانفتاح على المجتمع الدولي، والتوصل إلى حلول وتفاهمات تساعدها في الخروج من دائرة العقوبات الاقتصادية التي تعانيها.

وقد لا يكون خطاب ظريف هذا بعيداً أو منفصلاً عن خطاب شريحة واسعة داخل إيران من القوى والأحزاب السياسية وحتى النخب السياسية والثقافية والاجتماعية التي رفعت من سقف انتقاداتها وتجاوزت كل الخطوط الحمراء التي وضعها النظام كهوية أيديولوجية وعقائدية واستراتيجية له، من خلال التشكيك في صوابية الموقف العدائي الذي يتبناه في التعامل مع أميركا وحتى إسرائيل، انطلاقاً من أن الصعوبات والعقوبات والأزمات التي تعانيها إيران على مدى العقود الأربعة الماضية ليست سوى نتيجة لهذه المواقف وتنبي النظام لقضية لا تشكل هاجساً للمواطن الإيراني. وأن الأفضل له كان في اتباع سياسة تدعم مواقف الدول العربية والإسلامية من هذه القضية. وهو ما أشار إليه ظريف في كلامه بوضوح عندما تحدث عن أن إيران “دفعت خلال الـ45 عاماً الماضية الأثمان نتيجة تبنيها لقضية العرب أكثر من العرب ولم تحصل سوى على اللوم والانتقاد”.

قد يكون مسوغاً لمسؤولي النظام الإيراني ومنهم ظريف أن يعمل من أجل مصالح إيران، وأن يسعى لإعادة ترميم علاقاته مع محطيه العربي وتحديداً الخليجي، إلا أن أبعاد المسؤولية عنه في الأحداث التي شهدها الإقليم والعواصم العربية الأربع التي تحولت إلى ساحة للسيطرة الإيرانية، أمر لا يمكن إخفاؤه أو التعمية عليه أو مسحه من المشهد بمجرد الكلام أو التنصل.

لكنه، أي هذا الكلام، يشكل مؤشراً إلى ما يمكن أن يكون عليه الموقف الإيراني في حال استطاعت هذه النخب فرض رؤيتها أو قراءتها لموقف إيران الجيوسياسي والجيواستراتيجي على قيادة النظام والمؤسسة العسكرية العقائدية بما يشبه الانقلاب على تراث الثورة في تعاملها مع القضايا الإقليمية والنفوذ الجيوسياسي للشيعة في الإقليم.

قد يكون من المبكر الحديث عن مثل هذا الانقلاب، إلا أنه قد يكون من العصب نفي وجوده، ووجود جدل حقيقي بين النظام والنخب السياسية الاصلاحية والليبرالية والقومية. لكن من المناسب تذكير الوزير الإيراني بمحطات أساسية للأسلوب والسياسات التي اعتمدها النظام في تعامله مع الإقليم منذ أربعة عقود، وقام هو بتوظيفها في مفاوضاته السياسية مع القوى الدولية من أجل تعزيز موقف بلاده على طاولة التفاوض.

فهل نسي الوزير أن حرب الإخوة بين “حزب الله” وحركة “أمل” أواخر ثمانينيات القرن الماضي كانت في حقيقتها صراعاً بين القرار السوري بقيادة حافظ الأسد والنظام الإيراني على الإمساك بالقرار اللبناني؟ وأن غلبة “حزب الله” ستسمح لإيران بفتح طريق لوجود استراتيجي على سواحل البحر المتوسط؟ وأن المواجهة التي خاضها الحزب عام 1993 مع إسرائيل كانت بهدف عرقلة مسار التسوية الإقليمية التي بدأت في مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو، لأن الأطراف الإقليمية والدولية استبعدتها من هذه المفاوضات؟ وأن حرب تموز (2006) التي خاضها “حزب الله” مع إسرائيل كانت في أهم أسبابها إبعاد خطر الحرب ضد إيران نتيجة تعثر مفاوضاتها مع الترويكا الأوروبية حول أنشطتها النووية؟

وهل نسي الوزير أن المرشد الإيراني كان واضحاً في تسويغ القرار الإيراني بالتدخل في الأزمة السورية عندما اعتبر أن الدفاع عن دمشق ونظامها هو دفاع عن طهران؟ وأن الانتقاد الكبير الذي وجهه ظريف نفسه للتدخل الروسي في سوريا كان انطلاقاً من الدفاع عن المصالح الإيرانية في هذا البلد بعدما استطاع حليفه اللبناني استعادة السيطرة على “سوريا المفيدة” وتثبيت سلطة بشار الأسد في دمشق؟ وأن دخول “حزب الله” في معارك سوريا كان من أجل الدفاع عن المشروع الإقليمي لإيران وبناء “حلقة النار” التي تحيط بإسرائيل كمصدر إشغال لها تمنعها من استهداف إيران والحرب ضدها.

وهل نسي ظريف أن أوراق القوة التي كان يطرحها على طاولة التفاوض حول الملف النووي كانت تأتيه من الميدان الذي كان يقوده قاسم سليماني قائد “قوة القدس”؟ وأن عديداً من المواقف التي أعلنها أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله كانت لدعم موقفه التفاوضي، بخاصة في خطابه الشهير عندما أعلن أن “شيعة علي بن أبي طالب لن يتخلوا عن فلسطين” مما ساعد في قطع الطريق على الضغوط الأميركية التي أرادت التفاوض حول البرنامج الصاروخي لإيران؟ وأن هذا النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين هو الذي أسهم في صناعة العمق الاستراتيجي ومشروع إيران الإقليمي وفرضها كأحد اللاعبين الأساسيين في هذه المنطقة؟

وأمام هذا الكلام الذي يطفو على الواجهة بين الحين والآخر، ويعبر عن الجدل الداخلي الإيراني، قد يكون من الطبيعي طرح سؤال حول الهدف من ذلك، وهل هي محاولة إيرانية لتحميل حركة “حماس” و”حزب الله” المسؤولية عن فشل مفاوضات طهران مع واشنطن، وأيضاً المسؤولية عن الضربة العسكرية التي تعرضت لها واستمرار التهديد الذي تعيشه فيه؟ وهل هذا الكلام رسالة من طبقة إيرانية تنتظر الفرصة المناسبة داخلياً للتخلي عن هذه الجماعات من أجل ترميم علاقاتها مع المجتمع الدولي والاندماج في المحيط الإقليمي؟

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى