
عسكرة الأحواز: شبح “جنوب لبنان” يلوح في أفق الخليج العربي
لم يعد الخطر المحيط بالأحواز مقتصرا على التوترات العابرة، بل يتجاوزه إلى ما هو أخطر: “تطبيع الهجمات العسكرية” وتحويل مناطق مدنية واقتصادية حيوية إلى ساحات مواجهة دائمة. إن تحويل طهران لهذه المناطق إلى عمق استراتيجي وخط جبهة لسياسات الحرس الثوري العسكرية يضع الموانئ، والمدن، وحياة ملايين السكان في دائرة الاستهداف المستمر، مما ينذر بتحويل المنطقة إلى “كابوس” يشبه في مآلاته ما شهده جنوب لبنان على مدى عقود.
الجغرافيا الاستراتيجية: بين الردع وتحويل الأهداف
تتمتع الأحواز بمناطقة استراتيجية على الساحل الغربي للخليج العريي مثل ميناء جمبرون “بندر عباس”، وأبوشهر وجزيرنتي خرج وقسم، وموانئ الأحواز على الساحل الغربي للخليج العربي، بموقع جيوسياسي لا يضاهى؛ فهي تسيطر على مضيق هرمز الذي يمر عبره ما بين 20% إلى 30% من نفط العالم.
وتضم الأراضي الأحوازية اليوم مزيجا معقدا من البنية التحتية الاقتصادية أبرزها حقول غاز، منشآت بتروكيماوية، موانئ تجارية، وكذ الأصول العسكرية الحساسة لاحتلال الإيراني ومنشأة أبوشهر النووية.
وبينما ينظر النظام في طهران والحرس الثوري إلى هذه الجغرافيا كـ “خط جبهة ردع” ضد خصومه الإقليميين والدوليين، يرى المحللون أن هذه العسكرة هي نقطة الضعف القاتلة؛ إذ تحول الأصول الاقتصادية والحضرية إلى أهداف عسكرية مشروعة في زمن الحرب، مما يكرس هشاشة البنية التحتية المزدوجة.
مقاربة “جنوب لبنان”: التشابه والتهديد
تبرز أوجه تشابه مقلقة بين ما يجري في جنوب إيران والأحواز وبين تجربة جنوب لبنان، تماما كما حول “حزب الله” الجنوب اللبناني إلى مستودع صواريخ وساحة اشتباك دائمة، حولت إيران جنوبها والأحواز إلى قاعدة صواريخ بحرية وميدان مناوشات، مما جعل السكان المحليين وقودا لهذه الاستراتيجية.
و تشير التقارير خلال نزاع 2025-2026 إلى تعرض قواعد الحرس الثوري ومنشآت بتروكيماوية في الأحواز لهجمات، مما أدى إلى حالة من انعدام الأمن والنزوح. ويدفع عامة الناس الثمن من أمنهم ومعيشتهم، بينما تظل مراكز صنع القرار بمنأى عن الأضرار المباشرة.
وكل عملية إيرانية تنطلق من هذه المناطق ضد مصالح دولية أو إقليمية تزيد من احتمالية الرد المباشر عليها، مما يخلق حلقة مفرغة تجعل من مدن مثل بندر عباس “مناطق حرب شبه حقيقية”.
صراع الأجندات: أمن النظام مقابل أمن المواطن
في وقت يروج فيه النظام في طهران لهذه السياسة على أنها “ردع فعال” و”منع استباقي”، يرى نقاد – بما في ذلك أصوات إيرانية داخلية – أن هذه السياسة تدفع الخطر إلى الداخل، وتذيب الفوارق بين “أمن النظام” و”الأمن القومي”. إن تحويل مدن حيوية إلى منصات إطلاق صواريخ يعني بالضرورة جعلها أهدافا في بنوك الأهداف الخاصة بخصوم طهران.
إن المخاوف من تحول الأحواز إلى “منطقة شبه حرب” منهكة ومستنزفة ليست محض تكهنات، بل هي نتيجة مباشرة لسياسة وضع البنية التحتية الاقتصادية في قلب المواجهة العسكرية.
وإذا استمرت هذه التوجهات، فإن المنطقة تواجه مستقبلا مظلما من عدم الاستقرار الاقتصادي والنزوح البشري، حيث يصبح “السلام” مطلبا بعيد المنال في ظل استراتيجية تقدم المواجهة العسكرية على سلامة السكان وتنمية المناطق الحدودية.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في وقف الهجمات، بل في كسر نمط العسكرة الذي يجعل من الجغرافيا الأحوازية والساحلية ثمنا دائما لصراعات إقليمية ودولية متجددة.



