أهم الأخبارمقالات

طهران وواشنطن بين تطور الصراع والردع

ما هي السيناريوهات المطروحة في حال تطبيق الحصار البحري؟ وما طبيعة الرد الإيراني؟

 

هدى رؤوف

التساؤل الرئيس لماذا قررت إيران الرد حال جرت توجيه ضربة إليها؟ ولماذا تطور شكل التصعيد الأميركي؟ وما هي السيناريوهات المحتملة؟

في حين يؤرخ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لبداية انحسار المشروع الإيراني في المنطقة، تؤرخ حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل لفصل جديد في المواجهة، فهي أول مواجهة مباشرة بين البلدين منذ تأسيس النظام الإيراني والتي كشفت كثيراً من مكامن الضعف العسكرية لدى إيران، وذلك في ما يتعلق بالاختراق الاستخباراتي والأمني وضعف الدفاعات الجوية، وسقوط معادلة الردع وقواعد اللعبة بين الطرفين، لكن مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2024 واستمرارها أكثر من أسبوعين، أخذت التوترات بين إيران وإسرائيل وواشنطن شكلاً متدرجاً من الصراع من حيث التصعيد والردع، فمن جهة قررت واشنطن التلويح بالخيار العسكري ثم الدبلوماسي ثم تطوير سياسة الضغط الأقصى لتكون ضغطاً اقتصادياً عسكرياً بحرياً، وعلى الجانب الآخر قررت إيران التخلي عن سياسة تجنب المواجهة وإعلان نيتها الرد على أية ضربة عسكرية ستوجه إليها، وستعتبرها حرباً عليها مهما كان نطاق وحجم تلك الضربة، فالاحتجاجات الشعبية ذاتها كانت ارتبطت تدريجياً بعمل خارجي يلوح بتغير النظام الإيراني، ومن ثم فإن إيران باتت ترى أن الصراع الحالي يتعلق بتهديد بقاء النظام.

ولم يتوان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تعزيز احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، فقد شهد الشرق الأوسط تحركات وتعزيزات عسكرية أميركية حيث وصل أسطول حربي أميركي يتضمن حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” ومدمرات وطرادات مزودة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، وكذلك رُفعت حال التأهب الإقليمي احتمالات ضربة عسكرية ضد إيران، بينما تصاعدت في الوقت ذاته التصريحات الأميركية والإيرانية حول استعداد كل منهما للمسار الدبلوماسي، وقد طرحت واشنطن شروطاً لقبول العودة للتفاوض مع إيران، في حين أصرت طهران على حقها في تطوير التكنولوجيا النووية السلمية وعدم نيتها امتلاك سلاح نووي.

وفي ظل التصعيد الأميركي والتقييمات الأميركية والإسرائيلية بأن إيران في حال ضعف داخلي وخارجي، ومن ثم الفرصة مواتية لإضعافها أكثر، ومع اعتبار أن إيران تعاني هشاشة داخلية وتهديداً أجنبياً ارتبطا معاً، رأت طهران أنها لا بد من أن ترد وتتلافى سيناريو ما حدث منذ السابع من أكتوبر 2023 حين امتنعت من دعم “حزب الله” و”حماس”، وتعمدت تجنب التصعيد حينها لكن جرى استهدافها، وتطور الأمر لحرب الـ 12 يوماً ومن بعدها التحريض على إسقاط النظام، لذا تشعر إيران أن عليها استعادة ردعها والتلويح بأنها قادرة على إلحاق ضرر بأهداف أميركية في المنطقة، وإحداث توترات إقليمية.

واعتبرت إيران أن أي عمل عدائي ضدها سيعد بمثابة إقحام المنطقة بأسرها واستهداف الأراضي والقواعد والمصالح الأميركية في جميع أنحاء المنطقة، وكذلك ألمحت إلى أنه سيكون هناك رد صريح وغير مسبوق من فصائل المقاومة في المنطقة، والتي أعلنت أن أي هجوم على إيران سيُشرك كامل نطاق المقاومة، وأن الحرب ستمتد إلى المنطقة بأسرها، لذا حذّر المجلس الأعلى للأمن القومي من أن أي هجوم أميركي على إيران سيؤدي إلى فوضى عارمة في المنطقة وإهدار مصالح الولايات المتحدة.

وفي ظل تصريحات وزير الخارجية الأميركي الأخيرة التي قال فيها إن للولايات المتحدة نحو 30 ألف جندي في المنطقة، وأنه لا بد من تعزيزات لحمايتهم، وكذلك قوله إنه “لا أحد يعلم من سيتولى السلطة إذا جرى عزل المرشد الإيراني علي خامنئي من منصبه”، ففي هذا إشارة إلى أن البديل السياسي غير موجود، كما أنه لا يعني بالضرورة أن يكون ديمقراطياً بل قد يأتي بديل أكثر استبداداً أو تشدداً، أو أن تدخل الدولة الإيرانية في إطار الدول الفاشلة بما تعني من فوضى ستنتقل إلى المنطقة، لذا فربما تشير تصريحات روبيو إلى عدم ترجيح الخيار العسكري، ومن ثم قرّر ترمب تصعيد سياسة الضغط الأقصى لتشكل الحصار البحري، ومن ثم فما هي السيناريوهات المطروحة في حال جرى تطبيق سيناريو الحصار البحري؟ وما هي طبيعة الرد الإيراني؟

الوجود القوي المكثف للأسطول والمعدات الأميركية في المياه المحيطة بإيران يسمح لواشنطن بالاعتماد على قوتها البحرية لخلق نفوذ فعال ضد صادرات الطاقة الإيرانية، وبخاصة مبيعات النفط، وفي هذا السياق فهناك سيناريوان، إما أن توجه واشنطن ضربة عسكرية محدودة وتكملها بالحصار البحري، لكن في هذه الحال سترد إيران لأنها قررت أن هذه المرحلة من الصراع لا بد من أن تستعيد ردعها، أما السيناريو الآخر فهو البدء التدريجي للحصار البحري، والذي قد يؤدي بدوره إلى رد إيراني أيضاً من خلال عودة المناوشات البحرية المؤثرة في أمن وسلامة الملاحة البحرية، ومن ثم التأثير في تدفق الطاقة وأسواقها العالمية، وفي حال تنفيذ السيناريو الثاني فلا يمكن أن نتجاهل دور الحوثيين، لذا ربما تعمل إيران على تحفيز المتمردين اليمنيين لعودة التوترات في البحر الأحمر وعند باب المندب، مما يؤثر في بالملاحة العالمية، ولا يمكن التغافل عن هذا الدور الذي دفع ترمب للدخول في اتفاق مع الحوثيين لعدم مهاجمة السفن الأميركية.

والمؤكد أن واشنطن قد ترى أن الحصار البحري أقل تأثيراً أمنياً من ضربة عسكرية، إذ إنه سيُحكم سياسة الضغط الأقصى على إيران كوسيلة للتآكل الاقتصادي والحد من مواردها المالية وزيادة الضغط الداخلي، وهو ما يؤدي بالتدريج إلى إضعاف النظام ومن ثم قبول طهران المفاوضات بالشروط الجديدة مع تقديم تنازلات.

وفي ظل تلك التطورات قد لا تتدخل إسرائيل التي تبادلت مع إيران عبر روسيا خلال الأسابيع الماضية رسائل بأن كلاً منهما لن يوجه ضربة للآخر، ومع ذلك فإن الحال التي قد توجه إيران ردها نحو إسرائيل هو ما إذا كانت هناك ضربة عسكرية كبيرة تستهدف بقاء النظام، وفي هذه الحال ستحاول طهران التصعيد بما لديها لرفع كلفة أية ضربة عسكرية لها.

وفي هذا السياق، ومع استمرار التصعيد والتهديد من قبل الطرفين وحال الضغط على إيران لقبول المفاوضات بالشروط الأميركية، فمن المرجح أن يشكل نطاق التنازلات الملف النووي فقط، فيمكن لطهران أن تقبل قيوداً على برنامجها لفترة محدودة لكنها لن تتنازل عن دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة، مثلما أنها لن تقبل وضع قيود على قدراتها الصاروخية ومداها، لأن العاملين الأخيرين جزء رئيس من عقيدة إيران الدفاعية التي تعتمد على القدرات العسكرية غير التقليدية، ومع ذلك تظل كل تلك التحركات المحسوبة بدقة معرضة لسوء التقدير والحسابات والتي تدفع الأطراف نحو الانزلاق في مواجهة عسكرية إقليمية أكبر.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى