
سياسة واشنطن تجاه إيران: إلى أين؟
انطلقت مسيرات أوسع أكثر تنظيماً وأكثر تصميماً وأكثر قوة ليس فقط في طهران ولكن في جميع أنحاء البلاد
وليد فارس
بعد أيام عدة شهدت تظاهرات حاشدة ومستمرة ضد النظام في إيران ونشر تصريحات قوية للرئيس دونالد ترمب ضد السلطة الإيرانية، انفجر الوضع داخل البلاد بصورة واسعة، مهدداً الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي وعلاقات طهران الدولية.
الانتفاضة الجديدة في الداخل الإيراني انبثقت منها أسئلة عدة أهمها هل هي أقوى من سابقاتها؟ كيف تتعاطى معها إدارة ترمب والحكومة الإسرائيلية؟ وما هي حظوظها؟ وهل هنالك سيناريوهات للتدخل الأميركي إن حصل؟… وأخيراً وليس آخراً أسئلة حول قيادة الاحتجاجات.
مع انتهاء حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران عام 2025 ثم إعلان وقف إطلاق النار بين الأطراف الإقليمية، انتقل النظام إلى ملاحقة المعارضين، ولا سيما المدنيين المشاركين في المسيرات السابقة وسجنهم، وأدى ذلك إلى ازدياد الاحتقان الشعبي وخروج تظاهرات اعتراض على الممارسات وتطورها إلى تحركات سابقة. وبموازاة ذلك انهارت العملة الإيرانية وتبخرت القدرة الشرائية للمواطنين، مما زاد الطين بلة وتوسعت دائرة المعارضين للسلطة.
ومن ناحية أخرى نظمت المعارضة الإيرانية في الخارج تجمعات ومهرجانات عدة شجعت الداخل على الخروج إلى الشوارع، ومن بين التحركات مؤتمر في ميونيخ دعي فيه إلى عصيان، فانتفاضة مدنية، فإسقاط النظام بالوسائل السلمية. وتوالت التحركات في الداخل وصولاً إلى إضرابات عدة أهمها إضراب سائقي شاحنات نقل البضائع.
وكانت إسرائيل هددت بضرب المواقع الاستراتيجية الإيرانية لمنع إعادة بناء الترسانة الصاروخية، كما كتبنا منذ بضعة أسابيع. ولكن الاختلاف في التقييم والمشاريع بين ترمب وبنيامين نتنياهو حول إيران أخّر الأمور. فبينما أرادت الإدارة الأميركية إنتاج اتفاق جديد مع النظام إن اختار التراجع، استمرت إسرائيل في التهيئة لهجوم على إيران.
من هنا استمر الاختلاف في الرأي بين إسرائيل والولايات المتحدة حول التعاطي مع إيران حتى اجتماع ترمب ونتنياهو في مارالاغو نهاية ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025 وتوافقهما على أجندة جديدة، إذ اتفقا على أن تكون لترمب الكلمة الأخيرة حول ملفات إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن. فجهز الطرفان نفسهما لمواجهة التحديات، ولا سيما تجاه “حزب الله” والنظام الإيراني. فركزت إسرائيل على استعداداتها العسكرية وركز ترمب على توقيع اتفاق مع طهران بشروطه هو. ولكن القيادة الإيرانية ماطلت طويلاً لتجهز نفسها عسكرياً للتوازن مع إسرائيل، كما كتبنا سابقاً عن “حرب الصواريخ” المحتملة بين الدولتين. ويبدو أن التأخير في الرد على واشنطن أعطى إسرائيل ضوءاً برتقالياً للتجهيز لضربة.
إلا أن التأخر الأميركي- الإسرائيلي لضغط خارجي على النظام فتح باب الاعتراض الشعبي على القيادة في طهران بتشجيع من القيادات السياسية في المنفى. فانطلقت مسيرات أوسع، أكثر تنظيماً وأكثر تصميماً وأكثر قوة ليس فقط في طهران ولكن في جميع أنحاء البلاد، وبات الوضع أخطر على السلطة أكثر من أي وقت سابق، فقطعت السلطات الإيرانية الإنترنت وأطلقت العنان لـ”الباسيج” و”الباسدران” ضد التظاهرات الشعبية، فأوقعت مئات القتلى في الأسبوع الثاني، أما خلال الأسبوع الجاري فأعلنت “إيران إنترناشيونال” أن العدد فاق 12 ألف قتيل.
ويُذكر أن أعداد القتلى هذه التي سقطت لم تكُن إصابات مدنية خلال صدام عسكري بين قوتين، بل مجازر ضد مدنيين غير مسلحين مستهدفين مباشرة للتصفية، مما يشكل أسوأ أنواع المجازر دولياً. ومع تصاعد أرقام القتلى في الشوارع، نشر ترمب أول بيان تحذير للنظام الإيراني من الاستمرار في القتل الجماعي تحت طائلة تسديد ضربات موجعة. لكن القيادة الإيرانية سرعان ما اتصلت بالبيت الأبيض عبر مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف لتطالب بمحادثات جديدة وقبل الرئيس مبدأ الاجتماع. إلا أن النظام باشر بعملية تصفية أكبر للمتظاهرين، مما وسعها وأعطاها زخماً أكبر. ووصلت أرقام الضحايا إلى 12 ألف قتيل، مما دفع ترمب إلى التصعيد وتوجيه دعوة للشعب الإيراني أن “يدخل المباني الحكومية وإدارتها”، أي إسقاط النظام.
وقال ترمب للمتظاهرين إنه سيحميهم من السلطة، وشكل ذلك أكبر التزام بتغيير السلطة من دون أن يصل إلى إدخال قوات على الأرض.
والسؤال الذي يطرح نفسه مجدداً يدور حول من ستعتمد واشنطن عليه في قيادة البلاد إن سقط النظام، وجاء جوابه أنه من المبكر الإجابة وأن الشعب نفسه سيقرر عبر انتخابات واستفتاءات.
والسؤال الصحافي الأكبر يبقى حول عامل الوقت، هل ستتراكض الخطوات أم أن الزمن غير مسرع؟ سنرى قريباً.
نقلاً عن اندبندنت عربية



