أهم الأخبارتقارير

سلاح الظل: كيف توظّف إيران استهداف البنية التحتية لإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية

 

يُعدّ استهداف البنية التحتية أحد أبرز أدوات الضغط غير التقليدية التي طوّرتها إيران في سياق صراعاتها الإقليمية والدولية، حيث يمزج هذا النهج بين العمل العسكري غير المباشر، والحرب السيبرانية، وتوظيف الوكلاء من المليشيات، بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

و تكتسب هذه الاستراتيجية أهميتها من قدرتها على إحداث تأثير اقتصادي وأمني واسع النطاق بتكلفة منخفضة نسبيًا، مع الحفاظ على هامش من الإنكار أو الغموض السياسي، ما يمنح صانع القرار الإيراني مرونة في التصعيد والتهدئة وفقًا للظروف.

تعود جذور هذا النهج إلى ما بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، حين أدركت طهران محدودية قدرتها على مواجهة خصومها عسكريًا بشكل مباشر، خصوصًا في ظل التفوق التكنولوجي والعسكري للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

ومع تطور العقوبات الاقتصادية، خاصة بعد عام 2010، ثم تشديدها عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، أصبح الضغط على البنية التحتية الإقليمية والدولية وسيلة لتعويض الاختلال في ميزان القوى.

في هذا السياق، برزت أدوات متعددة، من بينها الهجمات على منشآت الطاقة، وتهديد الممرات البحرية الحيوية، بالإضافة إلى عمليات سيبرانية تستهدف قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والنقل.

تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في الهجمات التي طالت قطاع الطاقة، وهو العمود الفقري للاقتصادات الخليجية والعالمية.

ففي سبتمبر 2019، أدى الهجوم على منشأتي بقيق وخريص في السعودية إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من إنتاج النفط، أي ما يقارب 5% من الإمدادات العالمية في ذلك الوقت، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.

ورغم إعلان جماعة الحوثي في اليمن مسؤوليتها، أشارت تقارير استخباراتية غربية إلى ضلوع إيراني مباشر أو غير مباشر.

هذا النوع من العمليات لا يستهدف فقط البنية التحتية المادية، بل يضرب أيضًا الثقة في استقرار الأسواق، وهو ما انعكس حينها في ارتفاع أسعار النفط بنحو 15% خلال يوم واحد، في أكبر قفزة يومية منذ عقود.

إلى جانب البعد العسكري، تلعب الهجمات السيبرانية دورًا متزايدًا في هذه الاستراتيجية.

فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في استهداف أنظمة التحكم الصناعية، حيث تم رصد محاولات اختراق لمنشآت مياه وكهرباء في عدة دول.

تعتمد هذه العمليات على تعطيل الخدمات أو التهديد بها، ما يخلق ضغطًا سياسيًا دون الحاجة إلى استخدام القوة التقليدية.

وتشير تقارير شركات أمن معلومات دولية إلى أن مجموعات مرتبطة بإيران كثّفت أنشطتها السيبرانية بنسبة ملحوظة بعد 2020، مستهدفة قطاعات حيوية في الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية.

كما تُعدّ الممرات البحرية جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، خاصة مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

خلال عام 2019، تم تسجيل سلسلة من الحوادث شملت احتجاز ناقلات نفط وهجمات على سفن تجارية، ما أدى إلى رفع تكاليف التأمين والشحن.

بلإضافة إلى ماشنته طهران على دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام 2025 إلى الآن من استهداف مطارات ومناطق حيوية للنفط.

هذه التحركات لا تهدف فقط إلى تعطيل الإمدادات، بل إلى إرسال رسائل سياسية مفادها أن أي ضغط اقتصادي على إيران يمكن الرد عليه بتهديد تدفقات الطاقة العالمية.

يعتمد تنفيذ هذه الاستراتيجية بدرجة كبيرة على شبكة من الفاعلين غير الدولتيين، مثل جماعة الحوثي في اليمن، وبعض الفصائل المسلحة في العراق، وحزب الله في لبنان.

يوفر هذا النموذج لطهران ميزة استراتيجية تتمثل في تقليل المخاطر المباشرة، إذ يمكنها دعم هذه الجهات لوجستيًا وتقنيًا دون إعلان مسؤوليتها الرسمية.

في المقابل، يمنح هذا الأسلوب تلك الجماعات نفوذًا أكبر داخل ساحاتها المحلية، ما يعزز من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.

تترتب على هذا النهج تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.

فعلى المستوى الاقتصادي، يؤدي استهداف البنية التحتية إلى تقلبات حادة في الأسواق، وارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة مخاطر الاستثمار في المناطق المتأثرة.

وقد أظهرت بيانات البنك الدولي أن أي اضطراب كبير في إمدادات النفط يمكن أن يرفع الأسعار العالمية بنسبة تتراوح بين 10% و20% على المدى القصير، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي عالميًا.

أما على المستوى الأمني، فإن هذه الهجمات ترفع من احتمالات التصعيد العسكري، خصوصًا في ظل صعوبة تحديد المسؤولية بدقة في بعض الحالات.

مع ذلك، لا تخلو هذه الاستراتيجية من مخاطر بالنسبة لإيران نفسها.

فالتصعيد المفرط قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية مباشرة أو تشديد إضافي للعقوبات، كما حدث في فترات سابقة.

إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على وكلاء قد يخرج أحيانًا عن السيطرة، حيث يمكن أن تتخذ هذه الجماعات قرارات تصعيدية لا تتماشى تمامًا مع الحسابات الإيرانية.

كما أن تطوير قدرات الدفاع السيبراني لدى الدول المستهدفة يقلل تدريجيًا من فعالية هذا النوع من الهجمات.

في المقابل، تختلف التقييمات الدولية لهذه الاستراتيجية.

ترى بعض الدول الغربية أن استهداف البنية التحتية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي ويتطلب ردعًا حازمًا، سواء عبر العقوبات أو تعزيز الوجود العسكري.

بينما تعتبر أطراف أخرى أن هذه التحركات تأتي في سياق رد فعل على الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة على إيران، ما يستدعي معالجة جذور التوتر بدلًا من الاكتفاء بالرد الأمني.

هذا التباين يعكس تعقيد المشهد، حيث تتداخل الاعتبارات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية.

في ضوء المعطيات الحالية، يُرجّح أن تستمر إيران في استخدام استهداف البنية التحتية كأداة ضغط، مع تطوير أدواتها لتشمل مجالات أكثر تعقيدًا مثل الهجمات السيبرانية المتقدمة والحرب الهجينة.

و تمثل استراتيجية استهداف البنية التحتية التي تعتمدها إيران نموذجًا للحروب غير التقليدية في القرن الحادي والعشرين، حيث يتم توظيف أدوات متعددة لإحداث تأثير يفوق حجم الموارد المستخدمة.

ورغم فعاليتها في تحقيق مكاسب تكتيكية، فإنها تحمل في طياتها مخاطر تصعيد يصعب احتواؤه، ما يجعلها سلاحًا ذا حدين في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى