
دول المنطقة تصنع التهدئة… وإيران تعرقل مسارات الاستقرار الإقليمي
على امتداد أكثر من أربعة عقود، بذلت دول الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج العربي، جهودًا سياسية ودبلوماسية متواصلة لاحتواء التوترات مع إيران ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات واسعة النطاق.
ورغم المبادرات المتكررة للحوار وفتح قنوات التواصل وتقديم فرص التسوية، ظلت السياسات الإيرانية تمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق استقرار دائم في المنطقة.
منذ عام 1979، دخلت العلاقات بين طهران وجيرانها العرب مرحلة من التوتر المستمر، ليس فقط بسبب الخلافات السياسية التقليدية، بل نتيجة ما اعتبرته دول المنطقة محاولات إيرانية لتوسيع النفوذ الإقليمي عبر التدخل في شؤون الدول العربية ودعم جماعات مسلحة في عدد من الساحات الإقليمية.
وفي مقابل ذلك، اتجهت العواصم الخليجية والعربية إلى تبني سياسات تقوم على الاحتواء والدبلوماسية، إدراكًا منها لحجم المخاطر التي قد تترتب على أي مواجهة مفتوحة.
خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، عملت دول المنطقة على حماية أمنها ومنع انتقال الحرب إلى محيطها المباشر، بينما شهد الخليج العربي آنذاك هجمات متكررة استهدفت ناقلات النفط وهددت أمن الملاحة الدولية.
ورغم تلك الظروف، استمرت الجهود الإقليمية للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة ومنع اندلاع حرب إقليمية شاملة.
ومع انتهاء الحرب، برزت محاولات عربية وخليجية متكررة لإعادة بناء العلاقات مع إيران وفتح صفحة جديدة من التعاون.
وشهدت تسعينيات القرن الماضي خطوات دبلوماسية متعددة هدفت إلى تعزيز الثقة وخفض التوتر، إلا أن هذه الجهود اصطدمت مرارًا بملفات أمنية وسياسية معقدة أبقت حالة الشك قائمة بين الجانبين.
ومع بداية الألفية الجديدة، ازدادت أهمية الحوار الإقليمي في ظل التحولات التي شهدها الشرق الأوسط، خصوصًا بعد عام 2003.
وبينما سعت دول المنطقة إلى إدارة التنافس مع إيران عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، استمرت المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في عدة ساحات إقليمية.
ورغم ذلك، لم تتوقف مبادرات التهدئة.، فقد لعبت سلطنة عمان دورًا بارزًا في تقريب وجهات النظر بين إيران وعدد من الأطراف الإقليمية والدولية، كما استضافت لقاءات ومحادثات ساهمت في تهيئة الأجواء للمفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
كذلك حرصت دول مجلس التعاون الخليجي على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أصعب مراحل التوتر، انطلاقًا من قناعة بأن الحوار يظل أقل كلفة من الصراع.
وخلال السنوات الأخيرة، تجددت محاولات التقارب بشكل واضح، حيث استضاف العراق جولات حوار مباشرة بين السعودية وإيران بدءًا من عام 2021، وصولًا إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2023، وقد اعتُبر ذلك تطورًا مهمًا يعكس رغبة دول المنطقة في تجاوز الخلافات والتركيز على الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
غير أن هذه الجهود واجهت تحديات متكررة بسبب استمرار السياسات الإيرانية التي اعتبرتها دول المنطقة عاملًا معرقلًا لمسارات التهدئة.
ويرى نشطاء أن القيادة الإيرانية لم تستثمر بشكل كافٍ الفرص التي أتيحت لها لإعادة بناء الثقة مع جيرانها، بل استمرت في تبني مواقف وسياسات ساهمت في إبقاء بؤر التوتر قائمة في عدد من الملفات الإقليمية.
وتعززت هذه الانتقادات خلال فترات التصعيد الأخيرة في المنطقة، إذ يرى مراقبون أن إيران لم تُظهر استعدادًا حقيقيًا لتخفيف حدة المواجهات أو تسهيل الحلول السياسية، بل اتجهت إلى توسيع دائرة التوترات الإقليمية.
وخلال المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ارتفعت المخاوف الخليجية من امتداد تداعيات الصراع إلى دول المنطقة وتهديد أمنها واستقرارها، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول مدى التزام طهران بمسارات التهدئة التي طالما دعت إليها العواصم العربية.
اقتصاديًا، ترتبط مصالح دول الخليج بشكل وثيق بالاستقرار الإقليمي، إذ تعتمد خطط التنمية الوطنية الكبرى على بيئة آمنة قادرة على جذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي.
ولهذا السبب، واصلت هذه الدول الدفع نحو الحلول السياسية والحوار الدبلوماسي، باعتبار أن الصراعات الممتدة تستنزف الموارد وتعرقل فرص التنمية.
وفي المقابل، يرى نشطاء أن سياسات التصعيد المتكررة تضع المنطقة أمام مخاطر اقتصادية وأمنية متزايدة وتؤثر سلبًا في حركة التجارة والطاقة والاستثمار.
ومن الناحية الأمنية، تؤكد التجربة الإقليمية خلال العقود الماضية أن معظم مبادرات خفض التصعيد والحوار جاءت من جانب الدول العربية ودول الخليج التي سعت إلى بناء آليات للتواصل ومنع الانفجار العسكري، إلا أن نجاح هذه المبادرات ظل محدودًا بسبب استمرار الخلافات الجوهرية وانعدام الثقة الناتج عن السلوك الإيراني في عدد من الملفات الإقليمية.
و تكشف تجربة العقود الأربعة الماضية عن مفارقة واضحة؛ فبينما استثمرت دول المنطقة جهودًا كبيرة في دعم التهدئة وفتح قنوات الحوار وتغليب الحلول السياسية، يرى كثير من المراقبين أن إيران لم تتجاوب بالقدر الكافي مع هذه المساعي، بل ساهمت سياساتها الإقليمية في إطالة أمد الأزمات وتعقيد فرص التسوية.



