
دعوة إلى القبلية جهل سياسي مركب
كمال الكناني
في الوقت الذي يخوض فيه الشعب العربي الأحوازي معركة وجودية ضد احتلال تخطى قرناً من الزمان، وبينما تجتهد النخب القانونية والسياسية لترسيخ القضية في المحافل الدولية كقضية شعب يرزح تحت الاحتلال الأجنبي وفقاً لقرارات الأمم المتحدة والمواثيق الدولية، يخرج علينا من دهاليز المنفى الأوروبي مسخٌ تشكيلي بدائي يُسمى مجلس القبائل الأحوازية في المنفى.
إنها ليست مجرد نكسة تنظيمية، بل هي جريمة مكتملة الأركان بحق الهوية الوطنية، وسقوط مدوٍّ في فخ القصور القانوني والسياسي الذي لا يخدم سوى ماكينة الاحتلال الإيراني.
أولاً: الجهل الفاضح بقواعد القانون الدولي
إن المحاولات البائسة لاختزال قضية شعب كامل في إطار قبلي عشائري تكشف عن أميّة سياسية وجهل فاضح باللغة التي يفهمها العالم اليوم.
فالقانون الدولي لا يعترف بالروابط العشائرية ولا يتعامل مع مشيخات افتراضية كأطراف في النزاعات السياسية أو السيادية.
العالم الحديث، بمؤسساته الأممية وحكوماته ومنظماته الحقوقية، يتعامل مع مفاهيم صلبة حددتها المواثيق الدولية: حق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي والسيطرة الاستعمارية المباشرة (وفقاً للقرار رقم 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة).
الشعب الأحوازي يواجه احتلالاً فرضته القوة العسكرية ولم يكن يوماً خاضعاً له؛ وعندما تتقدم مجموعة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لتقديم القضية في قالب قبلي، فإنها تسقط عنها طواعيةً صفة الشعب وتُجردها من صفتها السياسية والقانونية، لتتحول في نظر القانون الدولي من قضية تحرر وطني ضد احتلال عسكري قسري إلى مجرد مطالب فئوية أو أقليات عرقية تبحث عن تحسين ظروف معيشية.
هذا التميع القانوني هو بمثابة انتحار سياسي يُقدم كطوق نجاة مجاني للمحتل.
ثانياً: تلبية الحلم الإيراني وشرعنة رواية الاحتلال، لقد أنفقت أجهزة المخابرات الإيرانية، على مدار عقود، مليارات الدولارات وعقدت آلاف المؤتمرات الأمنية تحت مسمى إدارة العشائر في الأحواز، بهدف واحد وواضح: تفتيت الهوية الوطنية الجامعة، وتصوير الأحوازيين للعالم كجماعات بدوية متفرقة ومكونات محلية بلا وعي سياسي أو مشروع دولي.
واليوم، تأتي مجاميع الوجاهة الافتراضية في المنفى لتقدم للنظام الإيراني ما عجز عن تحقيقه بالحديد والنار.
إن هذا المجلس المصطنع يمنح المحتل المستمسك القانوني والسياسي لتأكيد روايته أمام المجتمع الدولي بأن النزاع في الأحواز هو نزاع محلي تقليدي وليس قضية أرض محتلة وثروات منهوبة. إنها شرعنة مبطنة للاحتلال، وتماهٍ خطير مع أجندة فرق تسد الاستخباراتية.
ثالثاً: السطو على يوم الشهيد وخصخصة الدم
لقد بلغت الوقاحة السياسية والانتهازية حدًا غير مسبوق بركوب موجة أقدس المناسبات الوطنية، وهي يوم الشهيد الأحوازي ، ومحاولة تسييسها قبلياً. إن الشهيد الأحوازي الذي اعتلى أعواد المشانق لم يكن يدافع عن راية عشيرة، ولم يسفك دمه من أجل تعزيز نفوذ شيخ افتراضي في مقاهي أوروبا.
إن محاولة خصخصة دماء الشهداء وتحويل الذاكرة الجمعية للشعب إلى أوراق اعتماد لمشاريع مشبوهة، هي طعنة في ظهر التضحيات، وإقصاء متعمد للهوية المدنية لملايين الأحوازيين من الأكاديميين، والمثقفين، والشباب، والنساء الذين تجاوزوا منذ زمن بعيد بنى ما قبل الدولة. إن العالم الغربي والمؤسسات الحقوقية لن يستمعوا لخطاب المضافات والديوانيات، بل سيرون فيه مؤشراً صريحاً على غياب النضج السياسي وعجزاً عن إنتاج خطاب مؤسساتي حديث.
رابعاً: عواصم الحداثة بأدوات العصور الوسطى
من المضحك المبكي أن تعيش هذه الشرذمة المعزولة في عمق العواصم الأوروبية، حيث تُصنع السياسة الدولية عبر مراكز الأبحاث، واللوبيات القانونية، والمؤسسات الحقوقية العصريّة، ثم تقرر فجأة العودة بالزمن إلى الوراء واستنساخ أدوات القرون الوسطى لخوض معركة دبلومساية حاسمة!
القضية الأحوازية اليوم في أمسّ الحاجة إلى حقوقيين يتقنون القانون الدولي، وسياسيين يفككون المعادلات الإقليمية، وإعلاميين يخترقون الصحافة العالمية، وليس إلى تجمع تدميري يبحث عن وجاهة شخصية ومكاسب وهمية على حساب أمن قومي وشعب كامل.
إن الكيانات القائمة على العصبية القبلية في الغربة هي الخاصرة الرخوة والبيئة الأكثر هشاشة للاختراق الاستخباري، حيث يسهل اللعب على أوتار حساسياتها وصراعاتها الضيقة لضرب الإجماع الوطني.
خلاصة مريرة:
إن إصرار هذه القلة على جرّ الساحة الوطنية إلى مستنقع العشائرية السياسية ليس مجرد قصور نظر، بل هو فعل تخريبي بامتياز قوبل برفض قاطع وإدانة شاملة من كافة الأطر الشعبية والتنظيمية.
على هؤلاء أن يفهموا أن دماء شهدائنا ليست بضاعة للعرض في مزادات الوجاهة الافتراضية، وأن التاريخ لن يرحم من حاول اختزال وطن وشعب في خيمة قبلية مجزأة، الأوطان تبنى بالمواطنة والسيادة، لا بالنكوص إلى ما قبل الدولة.



