
جاسوسات الـ”موساد” بإيران: السلاح الاستخباراتي في لعبة الشطرنج
الإشاعات عن النساء تعزز شعور الخطر المستمر وتبرر التشديد الأمني وتخلق بيئة من التوجس والخوف
سالمة الموشي
في عالم السياسة والاستخبارات تختلط الحقائق بالدعاية بطريقة تجعل الأخبار أداة لصناعة الواقع أكثر من مجرد نقل المعلومات، ومن بين أكثر الروايات إثارة تلك المتعلقة بجاسوسات الـ “موساد” في إيران خلال حرب الـ12 يوماً، ففي حين لم تصدر أية بيانات رسمية إيرانية مؤكدة، ولم تظهر أسماء أو صور أو اعترافات، لكنها انتشرت بسرعة في وسائل الإعلام العالمية، خصوصاً المنصات الإسرائيلية التحليلية، وأصبحت مادة خصبة لدرس الرمزية السياسية والدور الإستراتيجي للنساء في الصراعات الاستخباراتية، إذ لا يظهرن فقط كفاعلات ميدانياً بل كرموز تحمل بعداً نفسياً وسياسياً معقداً.
تقارير صحف إسرائيلية مثل “جيروزاليم بوست” (Jerusalem Post) ومنصة “أخبار إسرائيل الدولية” (World Israel News) ركزت على وجود عناصر نسائية شاركت في جمع معلومات حساسة، بينما اقتصرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية على بيانات عامة عن اعتقالات لعناصر متهمة بالتعاون مع الـ “موساد” من دون أي تفاصيل مؤكدة، وهذا يجعل الرواية أقرب إلى مادة إعلامية وتحليلية رمزية أكثر من كونها حقيقة استخباراتية موثقة، والربط بين الروايات الإسرائيلية والإيرانية يوضح التباين في السرد والأهداف من نشر كل منها، إذ تعمل هذه الأخبار المربكة على تعزيز صورة الـ “موساد” كقوة قادرة على النفاذ العميق داخل إيران، وفي الوقت ذاته تخلق شعوراً دائماً بالخطر الداخلي، وهذا في المقابل يمنح السلطات الإيرانية غطاء لتوسيع الرقابة والاعتقالات.
تصريحات وسائل الإعلام الإيرانية تأتي ضمن سياسة رسمية تهدف إلى التحكم بالوعي العام من دون تقديم تفاصيل قد تضر بالخطاب الداخلي، وتمنح الجمهور إحساساً بالتهديد المستمر واليقظة المطلوبة، وبالتالي يظهر الاستخدام الرمزي للرواية كأداة للتحكم الاجتماعي والسياسي، وفي العمق الرمزي هنا تلعب النساء دوراً استثنائياً، فمثلاً في الثقافة الإيرانية تمثل المرأة فضاء العائلة والمنزل والمجال الداخلي الذي يُفترض أنه محصن، وأخبار مثل وجود نساء جاسوسات تشير إلى اختراق هذه الحصون الرمزية، مما يزيد الإحساس بالهشاشة والأهمية الإستراتيجية للرقابة.
إن صورة المرأة الجاسوسة في المخيال الجمعي تحمل عناصر الإغواء والخداع، وهذا يجعل الخبر أكثر قابلية للترويج ويضاعف تأثيره النفسي والإعلامي، كما أن الربط بين الرمزية الاجتماعية والبعد النفسي يوضح لماذا جرى التركيز على النساء تحديداً، وفي الوقت نفسه تعكس السرديات الإسرائيلية للخبر قدرة الـ “موساد” على الاختراق العميق من دون انتهاك الأعراف الاجتماعية.
إن الهدف من الخبر هو أن تظهر إسرائيل كقوة ذات إمكانات استخباراتية واسعة، وتخلق حالاً من التحذير الرمزي أمام إيران والمجتمع الدولي، حتى وإن كانت تفاصيله غير مؤكدة، وهنا يظهر التوازي بين الروايتين والوظائف الرمزية المزدوجة لما وراء الخبر، إذ تعمل مثل هذه الروايات على تهيئة الرأي العام الداخلي الإيراني أيضاً، فالإشاعات عن النساء كجاسوسات تعزز شعور الخطر المستمر وتبرر التشديد الأمني وتخلق بيئة من التوجس والخوف، حيث المواطن مطلوب منه أن يكون يقظاً حتى في حياته اليومية مع زملاء العمل أو الجيران، وهذا التحريك النفسي للرأي العام يسهم في الحفاظ على سلطة الأجهزة الأمنية والسياسية الإيرانية، ويخفف الضغط عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، لتصبح القصة أداة سياسية متكاملة، والربط بين الأحداث المحلية والدعاية الدولية واضح.
إن اختيار النساء كرمز في هذا النوع من التصريحات ليس اعتباطياً، فاختراق المجال الداخلي والأسري يعطي الانطباع بأهمية الخطر أكثر من مجرد اختراق المنشآت النووية أو العسكرية، والنساء هنا يمثلن رموزاً ترفع قيمة القصة إعلامياً ونفسياً وتجعلها مادة قابلة للانتشار بسهولة عبر الشبكات الدولية، كما تضيف بعداً درامياً وسياسياً معقداً يثري فهم الأحداث على المستوى المحلي والدولي، وبهذا الربط يظهر البعد الإستراتيجي العميق وراء اختيار النساء كرموز للجاسوسية.
وهناك أيضاً صلة رمزية بين هذه الإشاعات والأحداث الأمنية الصارمة داخل إيران، مثل إعدام باباك شهبازي، وحتى لو لم تكن إشاعة جاسوسات الـ “موساد” دقيقة فإنها تهيئ المشهد الداخلي والسياسي لقرارات صارمة مثل هذه الإعدامات، وتعيد تشكيل الخطاب حول حدود الحقيقة والدعاية، فالإشاعة والتنفيذ القانوني الصارم يخدمان إستراتيجية تعزيز صورة الدولة كقوة مسيطرة، وخلق بيئة من التحذير الرمزي الداخلي والخارجي.
النساء في السرديات الاستخباراتية، سواء كن موجودات فعلياً أو مجرد إشاعات، يمثلن أداة رمزية وسياسية قوية، وإشاعة جاسوسات الـ “موساد” تظهر كيف تُستخدم الروايات الاستخباراتية لتشكيل التصورات الأمنية والسياسية، وإعادة رسم حدود التأثير الداخلي والخارجي، وهذه السرديات تثبت أن الأخبار الإعلامية، سواء أكانت صحيحة أم لا، يمكن أن تتحول إلى أوراق إستراتيجية لإعادة تشكيل الوعي العام والتحكم بالرمزية المجتمعية، وتشكيل السياسة الخارجية والداخلية عبر حرب غير مرئية بلا جبهات تقليدية.
النساء في هذه الرواية يؤدين بالفعل دوراً بالغ الأهمية في رسم معالم السياسة الأمنية والدبلوماسية الرمزية في منطقة معقدة ومشحونة بالتهديدات، وهذا الدور يُظهر مدى استغلال الأخبار الإيحائية المسيّسة، وخبر جاسوسات الـ “موساد” اللاتي اخترقن النظام الأمني الإيراني ليس مجرد خبر استخباراتي محتمل، بل مثال حي على كيفية صناعة الرواية الأمنية والسياسية، فهي نصف حقيقة ونصف رمزية وهدفها واحد وهو التأثير في الوعي العام وفرض سيطرة الطرفين، وعدم نفيها يسهم في خلق حال مستمرة من الترقب والخطر المدرك، وسواء وُجدن جاسوسات الـ “موساد” أم لم يوجدن، فإن النساء في هذه الرواية أضفن بعداً إستراتيجياً حقيقياً يُظهر كيف يمكن لسردية واحدة أن تكسب جولة في معركة شطرنج من دون طلقة واحدة.
نقلاً عن اندبندنت عربية



