
ثروات مهدرة: كيف استنزفت الحروب موارد إيران على حساب التنمية
على امتداد العقود الماضية، وجدت إيران نفسها في مسار سياسي واقتصادي معقد، حيث تداخلت أولويات الأمن الإقليمي مع متطلبات التنمية الداخلية، غير أن المؤشرات الاقتصادية والمالية تكشف بوضوح أن جزءًا كبيرًا من موارد الدولة تم توجيهه نحو الأنشطة العسكرية والصراعات الخارجية، بدلًا من الاستثمار في تحسين حياة المواطنين وتطوير البنية التحتية.
منذ سنوات، خصصت إيران نسبة كييرة من ميزانيتها للإنفاق العسكري، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا الإنفاق بلغ نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة، وهي نسبة قد تبدو محدودة مقارنة ببعض الدول، لكنها في الحالة الإيرانية لا تعكس الصورة الكاملة.
فهناك مؤسسات موازية، مثل الحرس الثوري الإيراني، تعمل بميزانيات منفصلة وغير شفافة، ما يعني أن الحجم الفعلي للإنفاق العسكري أكبر بكثير من الأرقام الرسمية.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إجمالي الإنفاق الدفاعي قد يصل إلى عشرات المليارات سنويًا، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضغوط شديدة.
ولم يقتصر هذا الإنفاق على الداخل، بل امتد إلى دعم حلفاء إيران في عدد من دول المنطقة. فمنذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011، أنفقت طهران مليارات الدولارات لدعم نظام بشار الأسد، فضلًا عن تمويل جماعات مسلحة في دول أخرى مثل العراق ولبنان واليمن.
وتشير بعض التقديرات إلى أن إجمالي ما أنفقته إيران على هذه الحروب بالوكالة تجاوز 20 مليار دولار منذ عام 2012، مع استمرار التدفقات المالية بشكل سنوي لدعم هذه الشبكات.
هذا التوجه العسكري كان له ثمن اقتصادي باهظ. فقد ارتبطت السياسات الإقليمية لإيران بسلسلة من العقوبات الدولية، خاصة منذ عام 2018، ما أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.
وتشير التقديرات إلى أن البلاد خسرت ما بين 300 و450 مليار دولار من عائدات النفط خلال العقد الأخير بسبب هذه العقوبات.
كما فقدت العملة المحلية، الريال الإيراني، أكثر من 90% من قيمتها، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الموارد تُستنزف في الخارج، كانت القطاعات الحيوية داخل إيران تعاني من نقص التمويل. فالبنية التحتية في العديد من المدن تحتاج إلى تحديث شامل، والقطاع الصحي يواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، كما يعاني الشباب الإيراني من معدلات بطالة مرتفعة، في حين تتراجع فرص الاستثمار والتنمية بسبب حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.
ولعل أحد أبرز مظاهر هذا الاستنزاف يتمثل في الإنفاق على البرامج العسكرية والنووية، التي كلفت الدولة عشرات المليارات من الدولارات على مدار سنوات طويلة. ورغم ما تمثله هذه البرامج من أهمية استراتيجية من وجهة نظر صناع القرار، فإن تكلفتها الاقتصادية كانت كبيرة، خاصة في ظل محدودية الموارد وتزايد الاحتياجات الداخلية.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية في عام 2026، ازدادت الأعباء المالية على إيران بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت تكاليف العمليات العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، مع الحديث عن إنفاق يومي بملايين الدولارات، كما أدت الضربات العسكرية المتبادلة إلى تدمير أجزاء من البنية التحتية، ما يضيف أعباءً جديدة تتعلق بإعادة الإعمار، وهي عملية قد تتطلب عشرات المليارات في المستقبل.
في المحصلة، تعكس التجربة الإيرانية نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تؤول إليه الدول عندما تُقدّم أولويات الصراع على حساب التنمية، فالموارد التي كان يمكن أن تُستخدم لتحسين مستوى المعيشة، وتطوير التعليم، وتعزيز الاقتصاد، تم توجيه جزء كبير منها نحو الحروب والصراعات، ما أدى إلى إضعاف الاقتصاد الداخلي وزيادة معاناة المواطنين.



